شاركت قبل يومين في ندوة أقامها المنبر الديموقراطي الكويتي تحت عنوان «مسارات الاصلاح السياسي»… الموضوع الذي يعد من أهم القضايا في ساحتنا المحلية ولا يكفيه ندوة أو بيان، بل أظن أن هذا الموضوع يحتاج إلى جلسات وورش عمل تجمع القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني وجميع المهتمين بالشأن السياسي للتداول ووضع تصور متوافق عليه للإصلاح، كون الإصلاح السياسي هو الأساس والمدخل لإصلاح جميع المشاكل التي يعاني منها البلد ومؤسساته، لذلك ارتأيت أن أتناول في هذا المقال موضوع تلك الندوة.
بداية، عندما نتحدث عن مسارات الإصلاح السياسي فبالتأكيد علينا أن نتطرق إلى الخلل والعلة التي أدت إلى تخريب العملية السياسية، وهذا الخلل بكل تأكيد هو سوء المنظومة السياسية التي طالما تحدثت عنها في مقالاتي، فالمنظومة السياسية بنيت منذ كتابة الدستور على أساس العمل الفردي الفوضوي، وهو أمر لم يأت بالصدفة بل كان متعمداً، حيث عرقلت الحكومة عملية إقرار الدستور في المجلس التأسيسي برفضها لتسع مواد دستورية، ولم تقبل بتمرير تلك المواد إلا بعد تعديل المادة 43 من الدستور، التي تنص على حرية تكوين الجمعيات والنقابات… الخ، وإزالة كلمة «الهيئات» التي تعني الأحزاب كما ورد في تفسير المادة في المذكرة التفسيرية، لتنسف بذلك فكرة العمل السياسي المنظم مبكراً، بحيث يطغى العمل الفردي على المشهد السياسي وتؤسس ديموقراطيتنا على الفوضى.
لم تكتفِ الحكومة بذلك، بل حاولت مراراً وتكراراً الهجوم على المكتسبات الشعبية وعلى دستور الحد الأدني الذي كان من المفترض تنقيحه نحو مزيد من الحريات ونحو استكمال العملية الديموقراطية، فجاء تزوير انتخابات 67 والانقلابان الأول والثاني على الدستور، لتضع القوى الوطنية المعارضة في حالة الدفاع الدائم، في وقت كان من المفترض فيه أن تسعى تلك القوى لتطوير العملية الديموقراطية فبقينا في المربع الأول، ولم نتقدم منذ ما يزيد على الخمسين عاماً.
لذلك، فمن المهم أن نعي بأن الإصلاح السياسي يحتاج لعمل دؤوب ونفس طويل كي يتحقق، ولكن هناك أموراً يمكن تحقيقها على المدى القريب والمتوسط، ولعل أبرزها هو تنظيم العمل السياسي من خلال قانون لإشهار الأحزاب السياسية التي تعمل على أسس وطنية، فنؤسس بذلك للعمل المنظم ونشيع ثقافة البرامج السياسية بدلاً من الشخصيات الجماهيرية كما هو الحال اليوم، ثم يأتي الدور على النظام الانتخابي بحيث يتم إقرار قانون انتخاب يعكس فعلياً الرأي العام ويحول العملية الانتخابية إلى عملية سياسية، وهناك العديد من القوانين الانتخابية التي تحقق هذه المعادلة، ولعل أبرزها القوائم النسبية، أما على المدى البعيد فيجب العمل على تطوير الدستور وتنقيحه لنتحول للنظام البرلماني مكتمل الأركان.
نهاية، نحن بحاجة ماسة اليوم للبدء بعملية الاصلاح السياسي، وهي العملية التي طال انتظارها، وأعتقد أن بداية هذه العملية يجب أن تكون من خلال تحقيق انفراجة سياسية عبر العفو عن المحكومين في قضايا الرأي والتجمعات، وإلغاء القوانين المقيدة للحريات وحل ملفات الأزمة السياسية، وهنا يأتي الدور على القوى الوطنية الديموقراطية لتتحمل مسؤوليتها عن نشر الوعي السياسي في المجتمع والعمل جنباً إلى جنب من أجل استكمال مشروع بناء دولة الكويت الحديثة الذي طال انتظاره.