من براغ عاصمة الجمهورية التشيكية، تلك المدينة الجميلة بمعالمها وتاريخها الحافل بالفن والثقافة والأحداث السياسية، أكتب هذا المقال بعد جلسة حوار مع أحد الأصدقاء، وهو أستاذ في جامعة الكويت… أبدى فيها استغرابه من انتقال بعض الكليات في جامعة الكويت إلى الموقع الجديد للجامعة في الشدادية.
يقول صديقي «الدكتور»: أنا لا أفهم لماذا تقوم جامعة الكويت بانتقال جزئي وليس كلّياً بعد كل هذه السنين، وكيف لها أن تنتقل بهذه الطريقة الفجة؟ فإحدى الكليات المنتقلة للموقع الجديد ستبقي على بعض فصولها في الموقع القديم، أي أن الطالب سينتقل ذهاباً وإياباً ما بين موقعي الشدادية والخالدية! الأمر الذي يمثّل حملاً ثقيلاً على الطلبة ومضيعة غير منطقية للوقت، كذلك الأمر بالنسبة للأساتذة أعضاء هيئة التدريس… كما أستغرب دكتورنا العزيز من بناء وترميم بعض المواقع الحالية التابعة للجامعة التي يفترض بأنها ستُترك بداية الفصل الدراسي المقبل، لا سيّما أن بناء تلك المنشآت بدأ قبل إقرار قانون الجامعات الحكومية الذي تم «سلقه» قبل أسابيع قليلة، أي أن بناءها لم يكن مرتبطاً بذلك القانون الذي أقرّ التنازل عن مواقع جامعة الكويت القديمة للجامعات الحكومية فقط!
تلك كانت أسئلة صديقي عضو هيئة التدريس في جامعة الكويت، وهي أسئلة طبيعية لشخص أكاديمي لا ناقة له بالسياسة ولا جمل، فأي إنسان عاقل سيصدم عندما يعرف أن الموعد المحدد للانتقال لموقع الشدادية كان بداية التسعينات من القرن المنصرم، وعلى الرغم من مرور ما يقارب ثلاثة عقود على انقضاء ذلك الموعد المفترض، إلا أن الجامعة ستنتقل جزئياً!
حقيقة لم أجد رداً أبلغ من الابتسام في وجهه، فجامعة الكويت مثلها مثل جميع مرافق الدولة، تعاني بسبب التخبط الحكومي وانعدام الرؤية وانتشار الفساد، ففكرة أن يتأخر مشروع عن موعد تسليمه أو تشغيله عقوداً من الزمن ليست جديدة، بل إن هنالك خطة تنمية كاملة صرف عليها أكثر من ثلاثين مليار دينار من المال العام دون أن ينجز منها شيء! أما فكرة الانتقال الجزئي فهي كذلك ليست بالأمر المستغرب، فها هو وزير الصحة قد افتتح مستشفى جابر قبل جهوزيته الكاملة والنقص الشديد في الكوادر الطبية العاملة، ليعمل بشكل جزئي مثله مثل ما يحدث في الجامعة! أما بالنسبة لتلك المباني والمنشآت التي يتم بناؤها في المواقع القديمة، فهي بالضرورة مرتبطة بالتخبط الحكومي وعدم وجود برنامج أو خطة واضحة لعملها، ولن أستغرب لو كان الهدف منها تنفيع بعض شركات المقاولات.
قلت لصديقي: لا تستغرب مما يحدث اليوم… فلولا سوء المنظومة السياسية التي دمرت العملية الديموقراطية، لنتراجع عن مشروع بناء دولة الكويت الحديثة، لكنّا مثل أي دولة من الدول المتقدمة التي يتم فيها التداول السلمي للسلطة وتقوم على أسس اقتصادية واجتماعية وسياسية واضحة، فتقدم فيها مصلحة الشعب على مصالح أصحاب النفوذ… لذلك يا صديقي نحن نعمل من أجل رفع الوعي المجتمعي ونطالب بإصلاح المنظومة السياسية، وبالتأكيد سيأتي اليوم الذي يتم فيه إصلاح تلك المنظومة والعودة لمشروع بناء الدولة الحديثة، أما الآن فاستمتع بإجازتك قبل أن تجد نفسك في الشدادية «رايح جاي».