البترول نعمة أم نقمة؟

قبل أكثر من سبعين عاماً وتحديداً في 30 يونيو 1946 تم شحن أول كمية تجارية من النفط الخام الكويتي، ليتم تصديرها إلى الخارج على متن ناقلة البترول «بريتش فوسيلير»، ذلك الحدث الذي احتفلت به الكويت برعاية وحضور المغفور له الشيخ أحمد الجابر الصباح أمير البلاد آنذاك والمعتمد السياسي البريطاني لدى الكويت هارولد ديكسون غيّر الواقع الاقتصادي والاجتماعي للكويت، لتتحول إلى دولة مصدرة للنفط، وليصبح النفط مصدر دخلنا الوحيد بعد أن كنا نعتمد على الغوص والتجارة، وصاحبت ذلك تغييرات اجتماعية عميقة وواسعة.
ثلاثة وسبعون عاماً مضت منذ ذلك اليوم الذي تحولت فيه الكويت إلى دولة ريعية تعتمد على بيع النفط الخام كمصدر وحيد لتمويل ميزانية البلد، ورغم تلك الثروة الكبيرة التي جنتها الكويت من تصدير النفط وجعلتها من أغنى دول العالم، إلا أننا لم نستثمر تلك الموارد المادية الكبيرة بالشكل الصحيح، ولم نستفد من دروس الماضي، فلا نزال حتى اليوم نعتمد على هذا المصدر الوحيد والناضب ومتذبذب الأسعار، رغم مرورنا بمثل هذه التجربة سابقاً؛ بعد اكتشاف اللؤلؤ الصناعي الذي شكّل منافساً للؤلؤ الطبيعي – أحد أهم مصادر الدخل في الكويت حينذاك – وسيطر على سوق اللؤلؤ في نهاية المطاف.
لقد كان من المفترض أن تستثمر الكويت مواردها المالية الضخمة في العنصر البشري الكويتي، لتكون لدينا القدرة على التطور ومنافسة الدول المتقدمة التي استثمرت مواردها في العلوم والبحوث، واعتمدت على الانتاج وليس الريع كما فعلت الكويت، إلا أننا جعلنا من تلك الثروة الكبيرة سبباً رئيسياً للفشل وانتشار الفساد، فتحول المجتمع الكويتي من مجتمع منتج إلى مجتمع استهلاكي يلهث وراء الشكليات، بعد أن كان مجتمعاً عاملاً بامتياز قبل اكتشاف النفط، أما بالنسبة للقطاع الخاص – الذي يفترض به أن يكون قطاعاً منتجاً – فقد بات قطاعاً طفيلياً غير منتج، يعتمد بشكل رئيسي على الإنفاق الحكومي المتأتي من المناقصات من دون أن يقدم أي مقابل سواء من خلال دفع الضرائب أو توظيف العمالة الوطنية!
نحن اليوم أمام اختبار حقيقي سيشكل مستقبل الكويت، فالصناديق السيادية التي يفترض بها أن تشكل تأميناً لمستقبلنا باتت تستنزف بسبب العجز في ميزانية الدولة، لذلك من المهم أن تتحمل السلطتان مسؤوليتهما الوطنية بإيجاد مصادر دخل جديدة للدولة، ووقف الاستنزاف المستمر لموادر الدولة وميزانيتها بسبب تفشي الفساد والهدر، ولعل من المفيد أن نبدأ بالعمل على الاستفادة مبدئياً من الصناعات النفطية بدلاً من بيع النفط الخام، كما يجب العمل وبجدية على استعادة الدور التاريخي للكويت كميناء ومركز تجاري في المنطقة، ثم العمل على الاستثمار في العنصر البشري الكويتي من خلال تطوير العلوم والجامعات وربط مخرجات التعليم بسوق العمل، فما زالت هناك إمكانية لتعديل الوضع القائم وتصويبه، والتحول إلى دولة انتاجية بدلاً من كونها ريعية، وذلك قبل أن نصل إلى مرحلة تستنزف فيها جميع موارد البلد دون أن يكون لدينا أي بديل فتتحول الكويت من دولة غنية إلى دولة فقيرة في غفلة من الزمن.

 

٢ يوليو ٢٠١٩

أضف تعليق