من أنتم؟

وصلني قبل أيام مقطع فيديو لوصول طائرة الخطوط الجوية الكويتية «الجابرية» إلى هولندا، حيث تنهي هذه الطائرة التاريخية مسيرتها في مقبرة الطائرات، وقد تمنيت ألا يكون هذا المقطع صحيحاً… فطائرة الجابرية التي اختطفت في إبريل من العام 1988 يجب أن تبقى لتذكرنا بمحنة اختطافها الذي استمر لمدة ستة عشر يوماً، وراح ضحيته اثنان من أبناء الكويت هما عبدالله الخالدي وخالد أيوب، تلك الحادثة التي لا تزال راسخة في ذاكرتي رغم صغر سني حينها، فما زلت أذكر تسمّر أهلي أمام شاشة التلفاز منتظرين أخبار الجابرية، وبالتأكيد لن أنسى عودة الرهائن وتلك المسيرة التي خرجنا بها لنجوب شوارع جزيرة فيلكا فرحين بعودة الطائرة والرهائن، فكيف يتم التفريط بمثل هذه الطائرة التاريخية؟
إن صح هذا الخبر فهذه ليست المرة الأولى التي نرى فيها حكومتنا تطمس تاريخ الكويت ومعالمها، فقد هُدم سور الكويت الثالث عام 1957، لتختفي بعده تدريجياً معالم مدينة الكويت القديمة، ولم يتبق منه سوى بواباته، التي – بالمناسبة – قام جيش الاحتلال بهدم إحداها قبل التحرير، وكان إعادة ترميمها واجباً وطنياً لتكون علامة للنصر ودحض المحتل، كذلك هناك مقام الخضر في جزيرة فليكا، وهو أحد أهم المواقع الأثرية في الكويت، الذي تم هدمه في أواخر السبعينات من القرن الماضي لأسباب غير مقنعة لي شخصياً، حيث كان الأهالي في ذلك الوقت يزورون المقام للتبرك وتقديم النذور، وقد كان من الأفضل وقف تلك الممارسات بدلاً من هدم ذلك المعلم الأثري وطمس التاريخ.
وهناك العديد من الأمثلة الصارخة على مثل هذه الممارسات الغريبة التي قامت بها الدولة خلال السنوات الماضية، ففي ثمانينات القرن الماضي تم إزالة مجسم الكرة الأرضية الموجود في ثانوية الشويخ الذي يمثل حقبة زمنية مهمة في تاريخ التعليم في الكويت كما يعد رمزاً لتلك المدرسة، أما بالنسبة للتاريخ الفني؛ فلا يمكن وصف إزالة سينما الأندلس في التسعينات إلا بالكارثة، فهذه السينما التي كانت شاهداً على النهضة الفكرية والثقافية في الكويت غنّى على مسرحها عمالقة الفن مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ، حيث تمت إزالتها بشخطة قلم ليبنى مكانها مجمع تجاري! وبالتأكيد لن ننسى هدم مجمع الصوابر السكني الذي يعد أحد معالم دولة الكويت الحديثة، حيث تم إنشاؤه بداية الثمانينات من القرن الماضي بأسلوب معماري مميز وفريد ليمثل حلاً مبتكراً في ذلك الوقت لقضية الإسكان.
هذه هي الحال في الكويت، معالمنا الأثرية والتاريخية تهدم وتزال يوماً بعد يوم، وكأنها محاولة لمحو ذاكرة هذا البلد، في وقت نجد فيه الدول المتقدمة تعمل جاهدة للحفاظ على إرثها التاريخي، فالمعالم التاريخية لا تمس أبداً بل يتم المحافظة عليها وصيانتها لتكون شاهداً على تاريخ ذلك البلد، أتمنى فعلاً أن يكون ذلك الفيديو عن طائرة الجابرية مجرد إشاعة وخبر كاذب، وأن يتم استغلال تلك الطائرة كمعلم تاريخي وشاهد لما حدث في العام 1988، وأن يتم وقف العبث بمعالم الكويت التاريخية والأثرية، لكي لا يأت يوم يسألنا أبناؤنا: من أنتم؟

 

٢٨ مايو ٢٠١٩

أضف تعليق