صرّحت وزيرة الدولة للشؤون الاقتصادية – قبل أيام – بأن استمرار الدولة الريعيّة صعب، وأن الوزارة عاكفة على إعداد شبكة للضمان الاجتماعي التي ستعمل بالتوازي مع مشاريع الخصخصة المرتقبة.
هذا التصريح مثله مثل العديد من التصريحات الحكومية الغامضة وغير الدقيقة، فعندما نتحدث عن التصريحات الحكومية نستذكر بالتأكيد الخطط التنموية ورؤية الكويت 2035؛ التي هي بالمناسبة لم يتبق على انتهاء مدتها سوى ستة عشر عاماً، وحتى الآن لم ينجز لها أي قانون! كذلك العديد من المشاريع الفاشلة التي لم تنجز وتم تحويلها للديوان الأميري.
لذا فإن موضوعاً مهماً ودقيقاً مثل التحول من الدولة ريعية إلى الدولة الانتاجية يجب أن يكون واضح المعالم فلا يكون هناك مجال للشك والتأويل… بينما نجد تصريحات الحكومة عكس ذلك تماماً، إذ سبق أن نشرت «الراي» تقريراً حول شبكة الضمان الاجتماعي وكنت قد تطرقت لها في مقال سابق بيّنت فيه خطورة عدم الوضوح في ذلك المشروع، وما قد يتسبب به من انتقاص للحقوق والمكتسبات الشعبية، وها نحن اليوم نأتي أمام التصريح الحكومي حول صعوبة الاستمرار في الدولة الريعية؛ وهو أمر بدهي بل لعلّه من المستغرب أن الكويت لا تزال تعتمد على الريع كمصدر للدخل، فالدولة الريعية هي تلك الدولة التي لا تعتمد على الانتاج بل على الريع، كبيع النفط لتمويل الميزانية، وهو ما يفترض أن نتجاوزه.
إن التحول إلى دولة انتاجية أمر بدهي ومحتوم، بل هو مطلب وطني جدّي كوننا نعتمد على مصدر «ناضب» للدخل، وبالتأكيد فإن تذبذب أسعار البترول يعد كذلك عاملاً مهماً لتسريع عملية الانتقال وايجاد مصادر بديلة للدخل، لكن الأمر المهم والخطير جداً هو عملية الخلط بين مفهومي الريع والرعاية، خصوصاً أن الوزيرة ربطت موضوع صعوبة استمرار دولة الريع بمشاريع الخصخصة، التي تعني سحب الصلاحيات الحكومية من العديد من المؤسسات، وتخلي الدولة عن دورها الاقتصادي، وبالتالي تنصّلها من مسؤوليتها الاجتماعية، وهو الأمر المرفوض جملة وتفصيلاً، فانتهاء دولة الريع لا يعني إنهاء دولة الرعاية، كون الرعاية المجتمعية تعني وجود دور للدولة في رعاية المواطنين وحمايتهم، وفي الكويت تعتبر الرعاية أحد أهم الأسس التي يقوم عليها دستور 62.
هذا التخوف من تصريح الحكومة ليس مبالغاً فيه، خصوصاً وأن الحكومة عودتنا على الخلط في المفاهيم، وعدم الوضوح في مشاريعها، فقد سبق للحكومة أن قدمت قانوناً للخصخصة في العام 2010، وكاد ذلك القانون «الخطير» أن يمر لولا الوعي المجتمعي والضغط الشعبي الذي أدّى لتعديل القانون في مداولته الثانية ورفض خصخصة القطاع النفطي وقطاعي التعليم والصحة، وسحب تلك القطاعات من القانون الذي لو تم إقراره كما جاءت به الحكومة لكنّا نعيش تحت مطرقة جشع التجار، لذلك من الصعب جداً أن نثق بتصريحات الحكومة عندما تتحدث عن انهاء دولة الريع، فحكومتنا التي فشلت مراراً وتكراراً في إدارة شؤون الدولة لا تفوّت أي فرصة للتنصل من مسؤوليتها الاجتماعية.
نهاية، نحن لا نرفض التحول إلى الإنتاج وعدم الاعتماد على الريع، إلا أننا في الوقت نفسه نرفض رفضاً قاطعاً إنهاء الرعاية والانتقاص من المكتسبات الشعبية والدستورية وتخلي الدولة عن مسؤوليتها الاجتماعية، فهناك العديد من الدول الانتاجية الناجحة التي تعتمد نظام الضمان الاجتماعي والرعاية كالدول الاسكندنافية… لذلك فإننا نطالب الحكومة بالوضوح والشفافية عند التصريح عن هذه المواضيع، كما نطالب بإشراك مؤسسات المجتمع المدني كالنقابات والجمعيات في إعداد قوانين شبكة الضمان الاجتماعي المزعومة، فتكون تلك المؤسسات صمام أمان يضمن عدم التعدي على المكتسبات الشعبية، أما بالنسبة لقناعتي الشخصية فأرى أن الحكومة لا تمتلك الإرادة ولا الإدارة الكفؤة القادرة على تحويل الكويت من النظام الريعي إلى الانتاج، وما هذه التصريحات إلا كلام إنشائي لا طعم له ولا لون ولا رائحة.