محاذير!

يوماً بعد يوم يشتد توتر الأحداث الإقليمية، فها هي حاملة الطائرات الأميركية تتوجه للخليج وها هو الرئيس الأميركي يهدد ويتوعد إيران بتصعيد الأمور إلى أقصى مدى، فيما يقابل هذا التهديد تصعيد إيراني مضاد… ولست هنا بصدد تحليل الوضع الاقليمي ونتائج هذا التصعيد المتواصل، إنما يهمني بالدرجة الأولى انعكاس هذا التوتر الاقليمي علينا في الكويت، فموقع الكويت الجيوسياسي حرج وهش، وبالتالي من المستحيل أن نعزل الكويت عن مثل هذه التوترات الاقليمية، ذلك أن الكويت بلد صغير مجاور لإيران والعراق وفي الوقت ذاته يرتبط بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة الأميركية.
ورغم أن السياسة الخارجية المتزنة للكويت، نجحت في أحيان كثيرة وأزمات سابقة، إلا أن مثل هذه الأحداث الإقليمية المتسارعة في اتجاه التأزيم قد تجعل من الكويت منصة للحرب حال حدوثها، أو هدفاً مكشوفاً لردات الفعل، لذلك لا يمكن الاعتماد فقط على الدور السياسي الخارجي المعتاد للكويت للنأي بالنفس عن هذا الصراع وتجنّب مخاطره وتداعياته، بل من المهم والضروري جداً في مثل هذا الوضع أن تكون الجبهة الكويتية الداخلية متماسكة ومنسجمة، فلا يمكن مواجهة الاخطار والتحديات الخارجية ما دام الوضع الداخلي مفككاً وغير منسجم، ولنا في ما تعرضت له الكويت إبان الحرب العراقية الإيرانية مثال تاريخي مشهود، عندما كانت الكويت مسرحاً لأعمال إرهابية ونشاطات استخبارية واستهدافات عسكرية، وعلينا اليوم أن نتعظ من دروس تلك التجربة المريرة والحرص على عدم تكرارها.
ونحن في الكويت نعلم تماماً أننا معرضون للابتزاز السياسي والاقتصادي، سواء من الولايات المتحدة الأميركية التي تعتاش على الحروب لتعبر أزماتها الاقتصادية، أو من الطرف الإيراني الذي يواجه ضغوطاً شديدة وقد يعمد إلى تصدير أزمته للخارج، ومثل هذه الظروف والضغوط والتحديات تستلزم وجود إدارة سياسية كفؤة وعلى قدر عالٍ من المسؤولية.
كما أننا بحاجة إلى وضع استراتيجية واضحة لإدارة الأزمة والتخفيف من انعكاساتها الاقتصادية، ففي حال إغلاق مضيق هرمز على سبيل المثال لا بد من ايجاد خطوط بديلة لتصدير النفط واستيراد البضائع والمؤن الأساسية، كما يجب تأمين المصافي النفطية ومحطات توليد الطاقة الكهربائية وتقطير المياه، وأن يكون هناك ضبط داخلي للأسعار وتنظيم جدي لتوفير المواد الأساسية وضمان كافٍ لعدم استغلال تجار الحروب لحاجات الناس، ناهيك عن ضرورة وجود خطة طوارئ حال حدوث حرب.
في النهاية، هذه المسؤولية الوطنية الكبيرة ليست مهمة الشعب أو المجتمع وحده، بل تقع بالدرجة الأولى على الحكومة التي يفترض بها مراعاة خطورة الوضع الإقليمي وانعكاساته الداخلية علينا، والعمل على العبور بنا إلى بر الأمان، من خلال تقوية جبهتنا الداخلية وتوحيد الصفوف في وجه تلك المخاطر، والحذر من تفكك المجتمع وتأجيج النعرات الطائفية والعنصرية، بحيث يتم التفرّغ لمواجهة المخاطر والتحديات الخارجية وتسيير وتيسير الحياة اليومية وتأمين الخدمات الأساسية… ولكن الخوف كل الخوف أن مَنْ عجز عن التعامل مع أزمة الأمطار لا يملك القدرة على التعامل مع مخاطر التهديدات والتوترات والحروب!

١٤ مايو ٢٠١٩

أضف تعليق