يا عمال الكويت انهضوا…

كثيراً ما يحاول البعض التقليل من شأن الحركة العمالية في الكويت، والمتمثلة اليوم في الحركة النقابية، حيث يعتقد هؤلاء بعدم وجود الطبقة العمالية في الكويت، ففي نظرهم مسمى «موظف» ينفي صفة العامل، بينما التعريف العلمي للعامل هو الشخص الذي يبيع قوة عمله نظير أجر ولا يملك وسائل الإنتاج، وعليه يكون أغلب قاطني هذه الأرض من العمال… وبمناسبة اليوم العالمي للعمال الذي يحل غداً ارتأيت أن أكرس هذا المقال لسرد بعض الحقائق حول الحركة العمالية الكويتية ودورها الوطني، وصولاً إلى الأزمة التي تعاني منها اليوم.
انطلق العمل النقابي بشكل غير رسمي في الكويت نهاية الاربعينات وبداية الخمسينات من القرن الماضي، بعد اكتشاف النفط وظهور الطبقة العاملة، حيث تشكّل الوعي العمالي في ذلك الوقت بسبب الظلم الواقع على العمال الكويتيين من قبل الشركات الأجنبية، فجاءت اضرابات 1948 و1950 و1952 المطالبة بتحسين بيئة العمل والسكن وزيادة الأجور وإلغاء التمييز ضد العمال الكويتيين، فبرز في تلك الفترة القيادي النقابي المرحوم عاشور عيسى عاشور الذي تم فصله من العمل واعتقاله لمدة أربعين يوماً بسبب اضراب 1952، ففي تلك الفترة القاسية لم يكن هامش الحرية الذي ننعم به اليوم متاحاً.
أما العمل النقابي الرسمي فقد ارتبط بإقرار الدستور عام 1962، فجاء قانون العمل في القطاع الأهلي سنة 1964 ليقرر للطبقة العاملة حقها في التنظيم النقابي، ولا بد من الإشارة هنا إلى الدور الكبير للمعارضة الوطنية في مجلس الأمة لإقرار ذلك القانون آنذاك، كذلك دور الشخصيات العمالية الوطنية واليسارية مثل حسن فلاح وحسين صقر وحسين اليوحة، ولاحقاً عبدالله السعد والمرحوم ناصر الفرج، ولهذا السبب ارتبطت الحركة العمالية النقابية في الكويت بالقضايا الوطنية، فقد وقفت في وجه شركات النفط الأجنبية، ورفضت اتفاقية المشاركة النفطية المجحفة في حق الكويت عام 1973، كما كانت مع المطالب بتأميم النفط، وبالتأكيد لا ننسى الدور الكبير للحركة النقابية في رفض الانقلاب الأول على الدستور 1976،عندما بادر الاتحاد العام لعمال الكويت برئاسة المرحوم ناصر الفرج إلى دعوة الهيئات الشعبية لإصدار ذلك البيان المطالب، بعودة الشرعية والحكم الدستوري واسترداد المكاسب الديموقراطية، فتم اعتقال قيادات الاتحاد العام لعمال الكويت بسبب توزيعهم لذلك البيان. كما شاركت القيادات النقابية الوطنية في مجموعة الـ45، التي تشكلت مع ديوانيات الاثنين للمطالبة بعودة الشرعية الدستورية بعد الانقلاب الثاني على الدستور 1986.
ما ذكرته ليس إلا جزءا بسيطا من تاريخ الحركة العمالية النقابية الكويتية، التي أسسها وقادها الشخصيات الوطنية في ذلك الوقت، إلا أنه بعد من منتصف التسعينات من القرن الماضي بدأت هذه الحركة بالانحسار، خصوصاً بعد محاربة إدارات الشركات النفطية للقوائم العمالية الوطنية، وتعاون تلك الإدارات مع بعض العناصر الرجعية، فسيطرت الانتهازية على العمل النقابي، وتم إفراغه من مضامينه، وانتهاك آلياته الديموقراطية، لينتشر الطرح القبلي والطائفي في الجسد النقابي، وتطغى المصالح الشخصية على مصالح العمال، حتى وصلنا اليوم لمرحلة يقوم فيها النقابي برفض مطالب «ناخبيه» المستحقة، بل ويطالب وزارة الداخلية بفض اعتصامهم السلمي!
هذا الانحدار في العمل النقابي لم يكن وليد الصدفة، بل جاء من خلال عمل منظم يهدف إلى تخريب ذلك القطاع المهم والحيوي، فالدور الوطني التاريخي للنقابات في الحياة السياسية لا ينكره إلا جاحد، وهذا الدور الوطني لا يعجب الفاسدون والمفسدون، لذلك كان لا بد من تدمير الحركة النقابية، وقد يبدو لنا الهدف من تدمير الحياة النقابية بشكل أكثر وضوحاً اليوم؛ مع ارتفاع الاصوات المنادية بالخصخصة وتصفية القطاع العام، فمن يطالب بحقوق العمال سوى النقابات؟
إن الحركة النقابية اليوم تعاني بسبب ابتعاد العناصر الوطنية، وسيطرة العناصر الانتهازية، إلا أن ذلك لا يمنع من وجود أمل بعودة تلك الحركة إلى سابق عهدها، بل يجب أن تعود وبإمكانها أن تعود، فرغم سيطرة القوى الرجعية والانتهازية على الحركة النقابية في السنوات الأخيرة، إلا أن هذه الحركة وقفت في وجه قانون الخصخصة عام 2010، ورفضت الخصخصة والانتقاص من حقوق عمال النفط من خلال إضراب عمال النفط عام 2016، لذلك وبمناسبة عيد العمال نقول: يا عمال الكويت انهضوا.

 

٣٠ أبريل ٢٠١٩

أضف تعليق