برزت على الساحة السياسية أخيراً قضية الكويتيين البدون؛ هذه القضية ذات البعد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والانساني بالدرجة الأولى، التي ما زالت بلا حل منذ وُضع قانون الجنسية في العام 1959، حيث تبرز هذه القضية في فترات ويخبو ضوؤها في فترات كثيرة، فكانت البداية بمنع وزارة الداخلية أسبوع البدون الثقافي، الذي تصدت له القوى السياسية الحيّة فأقامت الندوات حول هذه القضية، مروراً باجتماع لجنة حقوق الانسان البرلمانية مع رئيس الجهاز المركزي، الذي انتهى بتهديد وزير الداخلية بتقديم استقالته من رئاسة ذلك الجهاز، وأخيراً تقديم الاقتراح بقانون بشأن الحقوق المدنية والاجتماعية لغير محددي الجنسية، الذي هدد به النائب محمد هايف وزير الداخلية بالاستجواب في حال عدم مروره بمداولتيه في الجلسة المقبلة.
هذه القضية ليست جديدة – كما ذكرت – كما أنها ليست قضية بسيطة، بل تكاد تكون أكبر القضايا العالقة في تاريخ الكويت الحديث، لكنها تبقى بلا حل، فأصحاب هذه القضية ليسوا ناخبين ليستفاد من أصواتهم الانتخابية، وحتى عند حصولهم على الجنسية فلا حق انتخابياً لهم إلا بعد مرور عشرين عاماً على التجنس، لذلك نرى نوابنا الأفاضل يماطلون في حل هذه القضية، بينما تزداد معاناة البدون يوماً بعد يوم وعاماً بعد عام، فمن حرمانهم من حقهم بالتعليم، إلى منعهم من تملك العقار مروراً بعدم توثيق عقود زواجهم وانتهاءً بعدم تمكينهم من سحب مدخراتهم من البنوك، يعاني البدون تحت وطأة مطرقة الحكومة وسندان الجهاز المركزي.
المشكلة في قضية الكويتيين البدون أنها تكبر عاماً تلو الآخر، فهذه القضية كان من الممكن معالجتها في ستينات وسبعينات القرن الماضي بشكل أبسط من الآن، إلا أن المماطلة في حل تلك القضية جعلها تتفاقم إلى أن وصل بنا الحال أن نصل إلى الجيل الرابع من أبناء هذه الفئة دون حل حقيقي وشامل.
إن حل قضية البدون يبدأ من التعامل السياسي والإنساني والوطني العادل معها أولاً، فما يحدث اليوم لا يمت للحل بصلة، فقد تم الزج بعناصر الطائفية والقبلية والتعصب العنصري في هذه القضية، فبعض من يطالب بالحل ينظر لها من منطلق طائفي بحت، وبعض من يعارضها يراها من المنطلق نفسه أو من منطلق التعصب العنصري النتن، بينما القضية هي قضية مواطنة دستورية لا تمت للطائفة والقبيلة والعائلة بصلة، فالمواطنة تعني الانتماء لهذه الأرض بغض النظر عن الأصل والمذهب، وتعني تساوي المواطنين جميعاً في الحقوق والواجبات، بينما يتعمد البعض تصنيف المواطنين كمواطن درجة أولى ومواطن درجة ثانية حتى يومنا هذا.
قضية البدون يجب أن تحل حلاً شاملاً ونهائياً، فالحكومة تمتلك المعلومات حول من يستحق التجنيس، حيث صرح رئيس الوزراء سابقاً بأن هناك عشرات الآلاف من المستحقين للجنسية، فلماذا لم يتم تجنيسهم حتى اليوم، أما غير المستحقين فيجب وضع حلول إنسانية تراعي المواثيق الدولية التي وقعت عليها الكويت، فلا حرمان من الحقوق الإنسانية الأساسية كالتعليم والصحة وغيرها، ولا تضييق عليهم في معيشتهم كما يحدث اليوم من منعهم من سحب رواتبهم ومدخراتهم من البنوك بحجة عدم تجديد بطاقاتهم، أما بالنسبة للجهاز المركزي لمعالجة أوضاع البدون، فلا أرى سبباً لبقائه، حيث لم يقدم حلاً منذ إنشائه في العالم 2010، ولا يكفي مقال واحد لذكر تجاوزاته.
وفي النهاية، هذه القضية يجب أن تحل حلاً نهائياً وبأقرب وقت ممكن، سواء شئنا أم أبينا، فتأخير حل هذه القضية يزيد من فرص فرض حلول دولية على الكويت، فهل تريد الحكومة أن يأتيها الحل من الخارج؟