شبكة أمان اجتماعي أم تنصل من المسؤولية؟

لفت انتباهي التقرير الذي نشرته «الراي» – قبل أيام – حول دراسة أعدها المجلس الأعلى للتخطيط، حيث تتضمن هذه الدراسة مقترحاً للحماية الاجتماعية من خلال شبكة الأمان الاجتماعي التي ستستهدف محدودي الدخل كما ورد في التقرير، فمثل هذه الأخبار والتقارير يجب ألا تمر مرور الكرام، كونها تؤثر في حياتنا اليومية بشكل مباشر، حيث تحدث الأمين العام للمجلس الأعلى للتخطيط عن تغيير جذري سيشهده «مفهوم» الدعم الذي تقدمه الدولة للمواطنين، مما يجعلنا نتساءل عن ماهية هذا التغيير وفلسفته، فنحن نتفهم وندرك تماماً أن الدعوم الحكومية تقدم للجميع؛ المستحق وغير المستحق، وأن هذا «الهدر» يجب أن يتوقف، لكن في الوقت نفسه نحتاج إلى توضيح أكبر لفلسفة شبكة الأمان المفترضة، فنحن نخشى من التوجهات النيوليبرالية الخطيرة التي يروج لها بعض الاقتصاديين، والداعية لتخلي الدولة عن مسؤولياتها تجاه المواطنين، وتقليص دور الدولة ليكون اشرافياً فقط، فالواقع أثبت فشل تلك التوجهات، خصوصاً في الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008 عندما اضطرت حكومة الولايات المتحدة الأميركية لتقديم الدعم للشركات الكبرى لانتشالها من الخسائر الفادحة، كذلك ما حدث عندنا في الكويت عندما تدخلت الدولة لانقاذ أحد البنوك من الافلاس.
نأتي الآن على بعض النقاط التي وردت في الدراسة التي تتحدث عن شبكة الأمان الاجتماعي، حيث يبدو بأن هناك بعض النقاط الايجابية كحماية محدودي الدخل وتحسين مستوى معيشتهم، ووضع نقطة فاصلة للدخل الأسري تحدد المستحق للمساعدات الاجتماعية من غير المستحق، إلا أنها جاءت بنقاط غامضة غير واضحة المعالم، فهي لم تحدد ماذا تعني بتشجيع «المستحقين» للخروج من الشبكة والاعتماد على أنفسهم، كما أنها في الوقت الذي تحدثت فيه عن أهمية دور القطاع الخاص في هذه الشبكة لم تحدد ذلك الدور، فهل سيكون هناك تفعيل للمسؤولية الاجتماعية للقطاع الخاص من خلال إلزامه بتمويل ميزانية الدولة من خلال الضرائب التصاعدية وتوفير فرص عمل للكويتيين؟ أم أن الحكومة تنوي تسليم القطاع الخاص إدارة الدولة والاستفادة من مواردها دون تقديم أي خدمة مجتمعية؟
كذلك تجاهلت الدراسة موضوع الأزمة الاسكانية، التي تمثل عبئاً شديداً على الأسر الكويتية بسبب ارتفاع أسعار الايجار، كما تمثل عبئاً على الدولة التي توفر بدل السكن أو بدل الايجار للمواطنين، فلم أجد حلاً واضحاً لتلك المشكلة، التي يمكن تجاوزها في حال استثمرت الدولة في البنيان العامودي في جميع محافظات الكويت بحيث تؤجر تلك الوحدات السكنية بأسعار رمزية للأسر التي تنتظر طلبات الاسكان، ومثل هذه الحلول تمثل دخلاً ثابتاً للدولة كما أنها تساهم بخفض أسعار الايجارات التي عجزت الدولة عن ضبطها.
أما الأمر الخطير الذي لفت انتباهي فهو ما ذُكر بشأن معالجة تلك الشبكة لقضايا محددة كالتأمين الصحي والضمان الاجتماعي والاعفاء من رسوم الخدمات الصحية والتعليمية، فهل تنوي الحكومة تخصيص القطاعين الصحي والتعليمي اللذين سبق أن تم رفض تخصيصهما في العام 2010 عند اقرار قانون الخصخصة؟
نهاية، يبدو لي أن الحكومة لا تعلم حتى اللحظة ما تريد فعله، أو أنها تعلم لكنها تخشى من ردة فعل شعبية غاضبة، لذلك نراها دائماً تتحدث بالعموميات ولا تحدد خطواتها بشكل واضح وصريح، أما بالنسبة لهذا التقرير حول شبكة الأمان الاجتماعي فنحن مع توفير مثل هذه الشبكة في حال لم يتم الانتقاص من الحقوق والمكتسبات الاجتماعية التي كفلها الدستور، لذلك فمن الضروري ألا يقتصر النقاش في مثل هذه القضايا على السلطتين التشريعية والتنفيذية، بل يجب أن يتم اشراك مؤسسات المجتمع المدني في مثل هذه الدراسات، كالنقابات والجمعيات المهنية، كما يجب أن يتم تفعيل أداة الاستفتاء الشعبي والأخذ برأي الشارع، فقد وصلنا لمرحلة لم يعد لدينا فيها ثقة بالحكومة ولا المجلس.

٩ أبريل ٢٠١٩

أضف تعليق