لا يخفى على أحد ما آل إليه مستوى التعليم الحكومي في الكويت من تردٍ خلال السنوات الماضية، فالكويت التي كانت تتقدم دول المنطقة على جميع المستويات في عصرها الذهبي، أصبحت اليوم تتذيل أغلب القوائم والمؤشرات، فقد جاءت الكويت في المركزين 104 و 106 في مؤشري التعليم الأساسي وتعليم الرياضيات، كما حصلت على المركز 95 في مستوى جودة التعليم العالي والتدريب حسب تقرير التنافسية العالمية للعام 2017/ 2018، هذه المراكز التي حصلت عليها الكويت بين 137 دولة تعد مؤشراً خطيراً يبين مدى سوء التعليم، والأمَر من ذلك أننا بتنا نتذيل الترتيب بين الأشقاء في دول الخليج بعد أن كنا في الصدارة.
لست بصدد التحدث بمثالية عن أهمية التعليم، كما أنني لست بصدد الحديث عن أمجاد الماضي والبكاء على الأطلال، لكن ما شدني للكتابة عن هذه القضية بالتحديد هو ما يحدث اليوم على أرض الواقع، وما أتوقع أن يحدث لنا كشعب «على المستوى المعيشي»، في حال لم تتم معالجة هذا الوضع السيئ، فنحن اليوم نعيش أسوأ الفترات التي تشهد تراجع الكويت على جميع الأصعدة والمستويات، ويبدو أن هناك العديد من القضايا التي جذبت الشارع السياسي بعيداً عن قضية التعليم، فهناك قضية الفساد المستشري وتعطل التنمية، وقضايا الأزمة السياسية وتبعاتها…الخ.
وأخيراً قضية اسقاط القروض التي شغلت الشارع بشكل كبير، وهذه القضايا – رغم أهميتها – إلا أن قضية تراجع مستوى التعليم لا تقل أهمية عنها، بل توازيها وربما تفوقها أهمية، فواقعنا اليوم يقول بأن قسماً لا يستهان به من الشعب الكويتي ينتمي إلى الطبقة الوسطى التي تعتمد بشكل رئيسي على الشهادة العلمية للحصول على وظيفة حكومية أو في القطاع الخاص، أي أن العلم بشكل أو بآخر هو مصدر الدخل الرئيسي لغالبية أبناء الشعب الكويتي!
لذلك فإن تردي مستويات التعليم سواء الأساسي أو العالي سيؤدي بالنهاية لتراجع مستوى المخرجات التي لن تجد فرص عمل مستقبلاً، ناهيك عن سوء الوضع الحالي الناجم عن سوء الإدارة والتخطيط وعدم ربط مخرجات التعليم بسوق العمل ما أدى إلى تراكم نسب العاطلين وانتظار عشرات الآلاف من أصحاب الشهادات لفرص العمل، لذلك نحن أمام أزمة معرضة للتفاقم بشكل كبير مستقبلاً.
كذلك نأتي على التبعات المعيشية لتردي مستويات التعليم؛ فالوضع الحالي يجبر الأسر التي تريد تعليماً أفضل لأبنائها على التوجه للقطاع الخاص، الذي لم يعد اليوم ترفاً كما كان سابقاً، فأغلب من هم من أبناء جيلي أصبحوا مضطرين لتعليم أبنائهم في المدارس الخاصة، أما غير القادرين على دفع تلك التكاليف التي تستنزف النسبة الأكبر من موارد الأسر الكويتية، فهم مضطرون للجوء للدروس الخصوصية كمحاولة لانقاذ ما يمكن انقاذه، وحسب الاحصائية – التي نشرتها إحدى الصحف المحلية – فإن نسبة الرسوب في المراحل التعليمية الأساسية في المدارس الحكومية تدق ناقوس الخطر حيث تشكل سبعة أضعاف نسبة الرسوب في المدارس الخاصة.
إن استمرار الوضع على ما هو عليه ينذرنا بأن الوضع يتجه نحو الأسوأ، فاستمرار سوء التعليم سيؤدي بالضرورة لتردي أوضاع الطبقة الوسطى التي تعتمد على التعليم للحصول على الوظيفة، واضطرار الأسر لتحمل تكاليف التعليم الخاص سيؤدي بالنهاية لتردي مستواها المعيشي واستنزافها لمرحلة تصبح فيها غير قادرة على توفير تلك التكاليف لجميع أبنائها، وهكذا سندور في حلقة تدمير الطبقة الوسطى حتى نصل لمرحلة لن تكون فيها سوى طبقتين في الكويت «طبقة غنية وأخرى معدمة».
لذلك فمن الضروري أن ندق ناقوس الخطر وأن نبين مدى سوء الوضع، فتصريحات المسؤولين حول نسبة الرسوب تبين لنا مدى التخبط وعدم المبالاة، فبدلاً من تحمل المسؤولية والاعتراف بالمؤشرات العالمية والعمل على إصلاح المنظومة التعليمية، نجدهم يلقون باللوم على الأسرة ويحملونها مسؤولية تردي التعليم وارتفاع نسبة الرسوب!
نهاية… التعليم والصحة يعتبران أهم القطاعات الحيوية وعماد التطور لأي مجتمع، ولكنهما مهملان من حكومتنا ونوابنا، وأظن أن ما يحدث اليوم هو تدمير ممنهج لهذين القطاعين الهدف منه بيعهما للقطاع الخاص، وعلينا أن نعي أن هذا الأمر ستكون نتيجته كارثية علينا كشعب وكطبقة وسطى بشكل خاص، أما من يتعذر بأن هذا ما يحدث في الدول المتقدمة، فردنا عليه بالأرقام الرسمية والاحصائيات بأن نسبة التعليم الخاص في تلك الدول لا تتجاوز العشرة في المئة، ومع ذلك نجد تلك الدول تسبقنا بسنوات ضوئية، أما بالنسبة لوضعنا في الكويت فهو نتاج سوء الادارة وانعدام المسؤولية واستشراء الفساد سواء من الحكومة أو النواب، ويجب أن ينتهي هذا الوضع السيئ كي لا يصبح التعليم للأغنياء فقط!