بث تلفزيون «الراي» – في الأسبوع الماضي – مقابلة مع أحد الوزراء السابقين بخصوص قضية إسقاط القروض التي شغلت الرأي العام لفترة ليست قصيرة، وحقيقة لم أتابع ذلك اللقاء، كوني أعرف مسبقاً موقف الضيف تجاه القضية، فالحكومة والمحسوبون عليها يرون القضية من زاوية واحدة وهي إسقاط القروض أم عدم إسقاطها، بينما السؤال الأجدر بالإجابة هو هل هناك مشكلة مجتمعية حقيقية بسبب القروض أم لا؟
ليست قضية إسقاط القروض ومشاكلها هي سبب كتابتي لهذا المقال، فقد سبق أن تحدثت عنها في مقال سابق بينت فيه بأنها متشعبة وكبيرة، وتحتاج لحلول مركبة أصغرها وضع تعريف واضح للمتعثرين وحل مشكلاتهم، وأكبرها وضع حلول جذرية للمشاكل التي أدت لتفاقم قضية القروض كسوء الخدمات وعدم توفير السكن، لكن ما شدني وحفزني لكتابة هذا المقال هو المقطع المقتطف من تلك المقابلة الذي يتطرق فيه الوزير السابق لدراسة (ماكنزي أند كومباني) المنشورة في «الراي» الشهر الماضي حول نسبة ادخار الأسر، التي تبين بأن نسبة 8 في المئة من الأسر الكويتية فقط لديها القدرة على الادخار بمعدل 279 دينارا كويتيا شهرياً، وهي النسبة الأقل على مستوى الخليج، حيث قام الوزير السابق ـ وكعادة أي مسؤول حكومي سابق أو حالي – بإلقاء اللوم «كاملاً» على المواطن «المسكين»، إذ وفق منطق ورؤية الأخ الوزير السابق أن السبب وراء عجز الأسر الكويتية عن الادخار هو «دلع» المواطنين المتكلين على «ماما حكومة» التي توفر لهم كل شيء!
حقيقة أنا لا ألوم الأخ الوزير السابق على ذلك الرد، فقد يكون بعيداًعن الواقع الذي يعيشه المواطنون البسطاء من أبناء الطبقة الوسطى ومحدودي الدخل، فهو بحكم طبقته الاجتماعية أو مميزات وجوده في الحكومة ربما لم يعش تلك الهموم التي نعيشها يومياً، فلا أظن بأنه انتظر بعد الزواج لخمسة عشر عاما أو أكثر للحصول على الأرض الحكومية، التي عادة ما تكون في موقع قريب من الحدود ومن دون وجود بنية تحتية كاملة أو خدمات، لذلك لا أعتقد بأنه عانى مثل بقية المواطنين من ارتفاع أسعار إيجار الشقق، التي وصلت لما يزيد على 500 دينار شهرياً، ما يستنزف مرتبات الموظفين الحكوميين (وهم الغالبية في المجتمع)، وهنا أتكلم عن مشكلة السكن فقط، أما الخدمات السيئة التي تقدمها «ماما حكومة» كالتعليم والصحة والمواصلات، فلست أنا من قرر بأنها سيئة وإنما المؤشرات العالمية التي وضعتنا في مراتب متدنية، فالمواطن اليوم كي يضمن تعليماً جيداً لأبنائه أصبح بين خيارين كلاهما مر، فهو إما أن يدفع للمدارس الخاصة آلاف الدنانير أو أن يرضخ لابتزاز الدروس الخصوصية، في وقت يعتبر فيه التعليم حقاً دستورياً أصيلاً، وليس منّة تقدمها «ماما حكومة».
أنا متأكد بأن الأخ الوزير السابق لم يشك من سوء الخدمات الصحية، ولم يسبق له أن وضع في موقف المريض الذي لم يتوفر له سرير في المستشفى بسبب قلة الأسرة، وبالتأكيد لم يحتج لواسطة للحصول على علاج في الخارج، أو اضطر للاقتراض لتوفير مصاريف ذلك العلاج، لذلك ليس من الطبيعي أن يشعر بهموم المواطن البسيط، ولهذا السبب نجده يلقي باللوم على المواطن البسيط العاجز عن التوفير والادخار.
لقد صدق الأخ الوزير السابق عندما قال: «ماما حكومة» وفرت «لهم» كل شيء، فهو وزملاؤه والطبقة الاجتماعية المنتمين لها يُعتبرون الأبناء المدللين لماما حكومة، فالدعوم والقروض الميسرة والمناقصات والأراضي الحكومية والمشاريع كلها تقدم لهم على طبق من ذهب من «ماما حكومة»، وفي الوقت نفسه تسعى «ماما حكومة» جاهدة لرفع الدعوم عن الخدمات ورفع أسعار البنزين والمحروقات ووضع الضرائب على بقية المواطنين من الطبقة الوسطى ومحدودي الدخل، لذلك أخي الوزير السابق… ماما حكومة لكم أنتم وليست لنا.