سكة طويلة…

تُصدر اليوم منظمة الشفافية الدولية مؤشر مدركات الفساد السنوي للعام 2018، الذي نتمنى أن يشهد هذا العام تغيراً إيجابياً في مركز الكويت، حيث تراجعت الكويت خلال السنوات الماضية من المركز الخامس والثلاثين دولياً والرابع عربياً في العام 2003، لتصبح في المركز الخامس والثمانين عالمياً والثامن عربياً في العام 2017، ما أثار استياء الحكومة في العام الماضي، وبدأت معها بعض التحركات «المحمودة»، كتحويل بعض قيادات الداخلية للنيابة بما يعرف بقضية الضيافة، أو التحقيق الأخير في قضية «اليورو فايتر» التي نتمنى فعلاً أن تنتهي بمحاسبة جدية للفاسدين. سأكون متفائلاً وأتوقع تحسن مركز الكويت في مؤشر مدركات الفساد للعام الماضي، إلا أنني لا أعتقد بأن التحسن سيكون كبيراً جداً، فعملية مكافحة الفساد لا تتم في يوم وليلة، بل تحتاج إلى نفس طويل وعمل كبير وجهد جبار، وبالتأكيد لن تكون قضية الضيافة أو عقد مؤتمر مكافحة الفساد كافية لنحصل على مركز متقدم عالمياً، فقد نخر الفساد جميع مؤسسات البلد على مدى السنوات الماضية، كما أن انعدام الشفافية الحكومية خلال تلك السنوات زاد من قوة الفاسدين والمفسدين ومكنهم، إلا أن التحسن في ذلك المؤشر – حتى وإن كان صغيراً- أمر إيجابي، ويجب البناء عليه لتحسين ترتيب الكويت عالمياً وبالتأكيد التخلص من الفساد داخلياً، أما البقاء على الترتيب  نفسه أو التراجع فسيكون أمراً كارثياً، وسيضع الحكومة في موقف لا تحسد عليه.
الشاهد في الأمر، علينا ألا نبالغ في تفاؤلنا في حال تحسن نتيجة الكويت في مؤشر مدركات الفساد، وبالتأكيد ليس المطلوب هو التشاؤم؛ ولكن علينا أن نتعامل بواقعية مع الأمر، فنحن في أمس الحاجة لمكافحة الفساد بشكل جدي واستمرار هذه العملية، ليس من أجل تحسين موقع الكويت ضمن الترتيب العالمي فقط، بل لأن الفساد أصبح جزءاً بنيوياً من الحياة السياسية والاقتصادية والثقافة السائدة وبات يمس حياتنا بشكل مباشر، وليست كارثة الأمطار ببعيدة لكي ننسى ما حدث من دمار بسبب استشراء الفساد، كذلك علينا ألا ننسى بأن الحكومة مقبلة – كما تروّج – على مشاريع ضخمة ضمن خطة الكويت 2035، ومثل تلك الرؤى والمشاريع تحتاج لبيئة خالية من الفساد أو على أقل تقدير بيئة غير حاضنة للفساد، فلا صدقية لأي مشروع تنموي أو برنامج عمل في ظل استشراء الفساد، ودون اتخاذ خطوات جدية لمكافحته. لذلك فمن المهم – أياً كانت نتيجة المؤشر – البدء والاستمرار في العمل والجدية في محاسبة الفاسدين والمفسدين، وذلك من خلال اتخاذ خطوات جدية وملموسة لمكافحة الفساد، بدأً بتطهير الجهاز الحكومي من العناصر الفاسدة وتكليف عناصر كفؤة لتولي المناصب القيادية، ووقف إفساد الحياة السياسية التي يرتكز عليها اتخاذ أي قرار في البلد، مروراً باتباع سياسة الشفافية والكشف عن الفاسدين والمفسدين ومحاسبتهم، إضافة إلى إلغاء القوانين المقيدة للحريات، التي استغلها الفاسدون في محاربة كل من يحاول فضحهم، كذلك من المهم إقرار قوانين استقلال ومخاصمة القضاء، وتمكين الجميع من حق التقاضي، الذي كفله الدستور في جميع القضايا من دون استثناء. نهاية، هناك العديد من الخطوات المطلوب اتخاذها لمكافحة الفساد، وهذه الخطوات تحتاج للوقت والجهد، وقبلها للقرار والإرادة، لذلك علينا أن نتعامل بواقعية مع نتيجة مؤشر مدركات الفساد، وأن نعي أن المعركة ضد الفساد تحتاج لنفس طويل فالسكة طويلة، كما يقول الفنان الجميل عبادي الجوهر.

أضف تعليق