قبل كتابة هذا المقال كنت في حيرة عما سأكتب لهذا الأسبوع، فلم يكن في ذهني غير موضوع الأمطار وما تسببت به من خسائر مادية كبيرة، وقد سبق أن كتبت مقالاً عن ذلك الحدث بعنوان «طق يا مطر»، أما بالنسبة للحصى المتطاير بعد الأمطار فالجميع يعلم بأن الموضوع ليس جديداً، بل قد تم استجواب وزير الأشغال حول هذه القضية في العام 2014، وتم تشكيل لجنة أنهت تحقيقها في الموضوع وقدمت توصياتها ووعدت الوزارة حينها بأنها ستحل المشكلة ولكن يبدو أن لا حل حتى الآن.
الشاهد في الأمر لم أجد موضوعاً جديداً أكتب عنه سوى الاستجواب المقدم لرئيس الوزراء بخصوص الأمطار، الذي يفترض أن تتم مناقشته اليوم، وهو في اعتقادي استجواب مستحق، فنحن نحتاج لإجابات واضحة حول ما حدث أثناء وبعد تلك الأمطار الكثيفة، سواء غرق البيوت أو الشوارع، أو ما حدث لمدينة صباح الأحمد «حديثة الإنشاء»، ولا أعتقد بأن هناك أنسب من رئيس الحكومة للحديث حول هذا الموضوع وتوضيح الأمور للشعب، خصوصاً وأن ما حدث يمس وزارات عدة وليست وزارة واحدة، لذلك قررت أن أكتب حول هذا الاستجواب الذي ذكرني – بطريقة أو بأخرى – بقصة «الراعي والذئب»، فما حدث في تلك القصة أن راعي الأغنام كان ينادي ويستنجد بأهل القرية لينقذوه من الذئب وفي كل مرة يكتشفون عدم وجود ذئب، حتى جاء الذئب فعلاً ولم يستجب أهل القرية لاستغاثة الراعي، وهذا ما يحدث مع كل استجواب لرئيس الحكومة!
فالنواب يجهزون ويتوعدون ويقدمون الاستجواب وبالنهاية النتيجة واحدة… لا شيء، ولا أظن أن السبب في ذلك هو ضعف مادة الاستجواب أو المستجوِب، لكن هناك أسباب عدة أهمها التحصين الدستوري الكبير للحكومة، فالحكومة لا يمكن أن تسقط بالاستجواب بل تم الاستعاضة عن هذا «الأصل» البرلماني – كما جاء في المذكرة التفسيرية للدستور- برفع طلب عدم التعاون الذي يؤدي حسب المادة (102) إما لحل مجلس الأمة وإما لعزل رئيس الحكومة… وغالباً سيكون الحل هو المصير الحتمي وهو ما يهابه العديد من النواب، ثم تأتي بعد ذلك الأهواء الشخصية وعدم الانسجام الواضح بين النواب، فأعضاء المجلس لا يجمعهم فكر سياسي واحد ولا يحملون البرنامج والأجندة ذاتهما، كما فَقَد مجلس الأمة الوجود المؤثر للكتل البرلمانية بعد قانون الصوت الواحد المجزوء، وقد أدى ذلك لكثرة الاستجوابات واستخدام هذا الحق البرلماني من بعض النواب لتصفية الحسابات أحياناً وللمساومة السياسية أحياناً أخرى وكثيراً للتكسب الانتخابي، مما أفقد أداة الاستجواب الكثير من أهميتها.
نأتي الآن إلى استجواب اليوم أو استجواب الأمطار – كما يطلق عليه – في اعتقادي لن يكون هناك جديد، فالمجلس لا يملك القوة الكافية ليحقق شيئاً من هذا الاستجواب، بل أتوقع أن تنجح الحكومة في تحويل الاستجواب للجنة التشريعية بغالبية مريحة، وقد بانت بوادر موت هذا الاستجواب منذ أيام، بعد أن أعلن أحد نواب المعارضة «الشرسين» عدم قناعته بالاستجواب، بل وبرر ذلك بأن الوضع لا يسمح وأنه قد سبق له أن عمل على تأجيل بعض الاستجوابات، كما أن الوضع السياسي الحالي يفرض على أي نائب يريد أن ينجح في الاستجواب أن يروج لاستجوابه ويقنع الشارع بأهميته من خلال الندوات واللقاءات التلفزيونية وغيرها من وسائل الإعلام، وهذا ما لم يحدث في أي استجواب خلال هذا الفصل التشريعي!
في النهاية نحن أمام اسطوانة متكررة للأسف، ومسلسل ممل نعرف نهايته مسبقاً، ويبدو واضحاً أن النواب لا يملكون الإرادة ولا الأدوات الكافية لتحقيق وعودهم، فمن يُرد النجاح فعليه أن يعمل ويجتهد لذلك، لكن ما نراه لا يتعدى فكرة رفع العتب، فإن سئلوا… قالوا: «سوينا اللي علينا»، وردّي عليهم أن العمل البرلماني لوحده غير كافٍ، وقد مللنا من تنبيهكم بأن الشعب مصدر السلطات وهو الأساس، وأن الضغط الشعبي هو سبيلكم الوحيد للنجاح في إقرار اللازم من قوانين، وما لم تكسبوا الرأي العام سيبقى الوضع على ما هو عليه حتى تخسروا كل شيء… كما حدث للراعي!
جريدة الراي الكويتية
٢٧ نوفمبر ٢٠١٨