لست معتاداً على الكتابة في الشأن الخارجي والسياسة الدولية، إذ أنني أجد نفسي في الشأن الداخلي والكتابة حول الأحداث السياسية المحلية، بحيث أساهم بنشر الوعي السياسي في المجتمع من خلال هذه السطور البسيطة... ولكن بسبب تكرار القضايا الداخلية في هذه الفترة، فقد رأيت أنه من المناسب أن أكتب هذه المرة عن الشأن الخارجي، خصوصاً مع تزامن كتابة هذا المقال والافراج عن أيقونة المقاومة الفلسطينية – الطفلة – عهد التميمي من معتقلات الكيان الصهيوني بعد ثمانية أشهر قضتها خلف قضبان العدو المحتل.
الموضوع ليس عن «عهد» التي أخجلتنا بشجاعتها وتماسكها ووقوفها شامخة في وجه العدو الصهيوني، في وقت نرى فيه البعض يتسابق على تقديم التبريرات والحجج الواهية بكل وقاحة؛ للترويج لفكرة التطبيع مع ما يسمى «اسرائيل»، لكنني سأتحدث عن إحدى تلك الحجج التي يتم ترويجها وهي أن الكيان الصهيوني لا يشكل خطراً على دولنا، ولكن الخطر المحدق هو خطر النفوذ الايراني في المنطقة، هذا المنطق الأعوج الذي يحاول المطبعون العرب تسويقه ليبعدوا أنظارنا عن الجرائم التي يرتكبها الكيان الصهيوني الغاصب يومياً بحق الشعب الفلسطيني، فالقصف مستمر على غزة، وعصابات الكيان الصهيوني لا تضع أي اعتبار للمجتمع الدولي… فهاهم قد احتجزوا «عهد» الطفلة لثمانية أشهر، وأصروا على أن تكون محاكمتها «العسكرية» بعيداً عن وسائل الاعلام. أما القتل… فما زالت صورة الطفل الشهيد محمد الدرة عالقة بالاذهان، ناهيك عن قتلهم للممرضة رزان النجار قبل ما يقارب الشهر… هذه الجرائم وأكثر تمر على المطبعين العرب مرور الكرام ونراهم يروجون بكل وقاحة للتطبيع مع الصهاينة.
لست هنا أقلل من الخطر الإيراني، فايران كأي دولة كبيرة تحاول فرض سيطرتها على المنطقة، كما أن الشواهد كثيرة على التدخل الايراني في شؤون دول المنطقة، ولا نحتاج لدليل أكبر مما يحدث في العراق لنعرف حجم النفوذ الايراني وخطره، لكن ما شدني للموضوع هو التسريبات الاخيرة حول التحالف العربي – الأميركي ضد ايران، أو كما أطلقت عليه بعض الصحف «الناتو العربي»، تلك التسريبات كشفت بأن ادارة الرئيس الأميركي قد عرضت على دول عدة تشكيل تحالف أمني عسكري للتصدي لايران… وللوهلة الأولى قد يشعر البعض بالطمأنينة لتشكيل مثل هذا التحالف، فالوضع الاقليمي مضطرب ولا بد من توفير الحماية لبلداننا، إلا أن هناك جانباً مهما علينا ألا نغفله؛ فالادارة الأميركية الغارقة بالديون والمشاكل هي المحرك الأساسي واللاعب الأول في هذا التحالف، هذه الادارة التي تعتبر الحليف الأول والأكبر لعصابات الكيان الصهيوني، همها الأكبر هو ما سيدخل خزائنها من أموالنا، وبالتأكيد فإن أحد أهم أهدافها – وهو أمر معلن – ضمان الأمن والأمان للكيان الصهيوني.
هذا التحالف وإن كان في صورته الأولى يبدو منمقاً لتسهيل تمريره، الا أنه من شأنه أن يزيد التوتر في المنطقة، ولا أستبعد وصول الأمر للحرب؛ خصوصاً مع شخصية الرئيس ترامب المثيرة للجدل، فهل المنطقة تحتمل المزيد من الحروب واراقة الدماء؟ لقد شهدت منطقتنا ما يكفي من الحروب بدءاً من الحرب العراقية – الايرانية ثم حرب الخليج مروراً بالحرب على العراق، نهاية بـ «عاصفة الحزم» التي لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا…
كل تلك الحروب لم تخلف سوى الدمار في المنطقة، بينما كان المستفيد الأكبر منها هو الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني، من خلال المليارات المدفوعة والقواعد الحربية المنتشرة في المنطقة، إضافة لتفكيك وإضعاف الجيوش العربية والقضاء على أي خطر يهدد الوجود الصهيوني في فلسطين.
أنا متخوف من نتائج هذا التحالف، وباعتقادي أن أفضل اسلوب للتعامل مع الدول المجاورة، هو ما تقوم به السياسة الخارجية الكويتية التي يشهد بكفاءتها القاصي والداني، فالعلاقات الخارجية للكويت قائمة على السلم والتعاون وحسن الجوار، وهي تمثل النموذج الأفضل للتعامل الديبلوماسي، بينما لم نحصد من الحروب والتوترات سوى الدمار والقتل والاضطراب.
جريدة الراي الكويتية
٣١ يوليز ٢٠١٨