قضية الشهادات المزورة والوهمية، هي آخر قضايا الفساد التي تصدرت الصحف في الآونة الأخيرة، بعد قضية عطايا الحكومة للنواب وضياع ملفات بعض القضايا والاختلاسات المليارية والحيازات الزراعية… الخ، وهي قضية خطيرة ومهمة جداً ولا بد من معالجتها وكشف المزورين مَنْ زوّر ومَنْ سهّل عملية التزوير وبالتأكيد مَنْ سلمهم المناصب العليا، إلا أن هذه القضية ليست حديثة، بل قد تم طرحها على الساحة السياسية منذ سنوات وسبق أن تبناها العديد من النواب والنشطاء وجمعيات النفع العام… لكن من دون حل حقيقي لتلك الفضيحة الكارثية.
لن أتحدث عن التعليم وأهميته في تطور المجتمعات والدول، فهو أمر من البدهيات، فليس عليك عزيزي القارئ إلا أن تنظر لمكانة الدول التي تهتم بالتعليم وتطويره وتخصص له مليارات الدولارات فتعرف الاجابة. وقد كتبت مقالات عدة حول التعليم وتراجعه، وأهمية اصلاح المنظومة التعليمية للنهوض بالبلاد، ولكن يبدو أن الموضوع لم يعد قاصراً على تراجع التعليم في الكويت وكيفية اصلاحه، بل إن هناك قضية أخرى وهي كارثة تتمثل بتقلد العديد من أصحاب الشهادات المزورة لمناصب قيادية في الدولة وفي جميع مؤسساتها، وهي تحتاج أولاً للشفافية التامة من الحكومة؛ من خلال كشف كل المزورين من أصحاب المناصب والقيادات، ثم محاسبتهم ومحاسبة كل مَنْ سهل عليهم عملية تزوير تلك الشهادات، كما يجب كشف ومحاسبة كل المتسترين عليهم.
المهم في الأمر ليس قضية الشهادات المزورة فقط؛ فهي كما ذكرت ليست بالقضية الجديدة على الساحة، ولا نحتاج لهذه الضجة الاعلامية لنعرف بوجود تلك الكارثة. فالمتابع لحال البلد المتدهور عاماً بعد عام على جميع المستويات يستنتج بالضرورة بأن العديد من القيادات القائمة على تطوير البلد، إما أن تكون بلا شهادات علمية واما أنها مزوّرة. لكن ما أثارني في هذه الفترة هو تسليط الاعلام للضوء وبشكل مثير على قضايا الفساد، فخلال الشهرين الفائتين لم يمر أسبوع إلا وهناك قضية فساد تتصدر صفحات الصحف، وكل قضية أكبر من سابقتها، فما هو السبب الحقيقي وراء كشف تلك القضايا وبهذا الشكل المثير؟
حقيقة لم أتمكن من ايجاد إجابة وافية عن ذلك التساؤل، فهناك العديد من العوامل التي قد تؤدي لكشف تلك القضايا وتسليط الضوء عليها، ولكن لأن حكوماتنا المتعاقبة تسير على النهج نفسه منذ عقود، فمن الطبيعي أن نضع بعض النقاط التي قد يكون أحدها سبباً لطرح تلك القضايا بهذا الشكل، فقد اعتدنا في حال الكشف عن قضية فساد وتحويلها لقضية رأي عام، أن يكون السبب هو الصراع بين الاقطاب المتنافسة على السلطة؛ فهذا القطب يحاول ضرب ذلك القطب لتشويه صورته والحصول على منصبه، أو أن يكون السبب هو تلميع صورة الحكومة والوزراء، ومحاولة إلهاء وتخدير الناس وصرف أنظارهم عن الفشل الحكومي الذريع في إدارة العديد من الملفات، فيبدو للمتابع أن الحكومة جادة في فتح قضايا الفساد ومحاسبة الفاسدين والمفسدين، وهذا الأمر بحد ذاته قد أصبح حلماً يتمناه كل مواطن، أخيراً وليس آخراً… إثارة مثل هذه القضايا عادة ما تكون إشارة لقرب الانتخابات البرلمانية، فنجد الحكومة تهدي النواب تلك القضايا للحديث فيها وإثارتها والتصعيد من خلالها، فتكون تلك القضايا مادة دسمة للنواب الحاليين والمرشحين القادمين للحديث حولها في حملاتهم الانتخابية!
في النهاية، ما أتمناه ويتمناه العديد من أبناء الوطن هو أن تكون الحكومة جادة بمعالجة ملف الفساد، وأن تكون هذه الزوبعة الإعلامية حول قضايا الفساد هي بداية لإعصار حكومي يقتلع الفساد من جذوره، وأن تكون الحكومة قد أفاقت أخيراً من سباتها العميق وقررت أن تنهض بهذا البلد. كما أتمنى أن يأتي اليوم الذي أكتب فيه مقالاً أمتدح فيه الحكومة وأشهد لها بكفاءتها… أما اليوم فشهادتي فيها «مزورة».
جريدة الراي الكويتية
٢٤ يوليو ٢٠١٨