كنت وما زلت مقتنعاً بأن قضية دخول المجلس، هي قضية سياسية بالدرجة الأولى، ومعالجتها لا تكون في أروقة المحاكم بل تحت قبة عبدالله السالم، فالحدث نفسه وهو دخول النواب والشباب لمجلس الأمة – سواء كنت مؤيداً أم معارضاً له – لا يمكن فصله عن الوضع السياسي في ذلك الحين، والاحداث السياسية التي قادت هؤلاء الشباب لدخول المجلس في تلك الليلة، ففي ذلك الحين كشف الستار عن تضخم حسابات بعض النواب «القبيضة»، فكانت قضية الايداعات والتحويلات المليونية التي هزت الشارع الكويتي هي المحرك الأساسي للشباب الذي خرج للمطالبة بكشف ومحاسبة الفاسدين والمفسدين.
أما وقد قال القضاء كلمته في حكم محكمة التمييز، فإننا لا نملك أن نعترض على ذلك الحكم، على الرغم من حالة الإحباط والحزن التي أصابتنا بسبب الحكم بالسجن على مجموعة من الشباب والنواب السابقين، لكن بالإمكان مناقشة وحل هذه القضية من الجانب السياسي وليس الجانب القانوني البحت، فالأوضاع السياسية التي قادت لخروج الشباب إلى ساحة الإرادة وأدت لدخول المجلس ما زالت قائمة ولم تعالج بعد، فما زال المتهمون بقضية الإيداعات والتحويلات أحراراً، بل ويتبوأ بعضهم أعلى المناصب القيادية. وما زال الفراغ التشريعي الذي تسبب بحفظ تلك القضية قائماً إلى حد ما. وما زالت قضايا الفساد واختلاسات المال العام تتصدر صفحات الصحف اليومية بشكل يفوق ما حدث في العام 2011 وقت دخول المجلس، ولحل تلك الأمور فإننا بحاجة لقرار سياسي يتفق فيه الشعب مع السلطتين التشريعية والتنفيذية على طي صفحة الأزمة السياسية وتحقيق حال من الانفراج السياسي.
لقد امتدت الأزمة السياسية لفترة طويلة وقد أصبحت تداعياتها خانقة لا تطاق، فلم نعد نحتمل المزيد من التفكك المجتمعي والدعوات العنصرية والطائفية والقبلية. ولم يعد مقبولاً ما نراه يومياً من أحكام مشددة بالسجن على الشباب الكويتي بسبب رأي أو كلمة، ولا أقصد فقط شباب المعارضة، بل أصبحت تلك الأحكام تمس الجميع ولا يستثنى منها أحد.
لذلك لم يعد حل تلك الأزمة ترفاً، بل هو مطلب وطني، فنحن بأمس الحاجة لطي تلك الصفحة وفتح صفحة جديدة، خصوصاً في ظل الأوضاع الاقليمية غير المستقرة، التي تحتاج منا لتقوية جبهتنا الداخلية وتعزيز مفهوم الوحدة الوطنية، لذلك يجب التحرك شعبياً وبرلمانياً لوضع حل سياسي لتلك القضايا من خلال تفعيل المادة 75 من الدستور واقرار قانون للعفو الشامل عن قضايا الرأي والتجمعات، والعمل على تعديل القوانين المقيدة للحريات وإلغاء عقوبة السجن في قضايا الرأي والكلمة، فحرية الرأي والتعبير هي الأساس في الاصلاح والتطور والعمل الديموقراطي، ودونها لا يمكن مواجهة الفساد ولا إصلاح الوضع وبالتأكيد لن يكون هناك وجود للديموقراطية.
كما يجب على القوى والشخصيات المعارضة، أن تراجع نفسها وتتعلم من أخطائها، سواء ما حدث فترة الحراك أو قبل ذلك، فقد كانت بعض القوى السياسية والشخصيات البرلمانية المعارضة تمارس التحريض على مخالفيها، بل كانت طرفاً رئيسياً في إقرار العديد من القوانين المقيدة للحريات، وقد جاء الوقت لتتراجع عن تلك المواقف وتعي أن الاختلاف أمر طبيعي في هذه الحياة، وأن الرأي يواجه بالرأي الآخر لا بالسجن.
وباعتقادي أن الدور الكبير يقع على القوى السياسية المدنية التي تتبنى مفاهيم الحرية والعدالة والمساواة، لتنشر الوعي بين الناس، وترسيخ مفاهيم الحريات واحترام الآخر، إضافة لمفهوم المواطنة الدستورية وليس مفهوم التعايش بين مكونات المجتمع الذي يرسخ فكرة تفكك المجتمع وانقسامه لمكونات عديدة مختلفة تماماً عن بعضها فيما يجب عليها أن تتعايش…
في النهاية القضية ليست مجرد دخول مجموعة من الشباب لمجلس الأمة، والتداعيات القانونية لذلك الفعل… القضية سياسية لا تنفصل عن الأزمة الممتدة منذ ذلك الوقت، وحلها لن يكون في أروقة المحاكم، بل هو سياسي مئة في المئة.
جريدة الراي الكويتية
١٠ يوليو ٢٠١٨