الشق عود يا حكومة

صباح كل يوم تطل علينا الصحف المحلية بـ «مانشيتات» حول الفساد… فهذه تكتب عن اختلاسات المال العام التي تجاوزت الملياري دينار، وتلك تكتب عن فقدان ملفات قضائية، والاخرى تتحدث عن الشهادات المزورة، وأخرى عن تلك القضايا موضوع الحيازات الزراعية الذي أثار ضجة كبيرة في مواقع التواصل الاجتماعي كافة.
المؤسف أن الفساد لم يعد أمراً جديداً، فسمو رئيس مجلس الوزراء صرح في أكثر من مناسبة بأن الفساد ينخر في مؤسسات الدولة، كما أبدى – جزاه الله خيراً – استياءه من تراجع الكويت في مؤشر مدركات الفساد، ولكن الاستياء والتذمر لا يكفيان، فالشق عود… لأن الفساد لم يعد سلوكاً فردياً، بل أصبح جزءاً من المنظومة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في ظل سطوة القوى الطفيلية والانتهازية وتمكين الحكومة لها…
فعلى سبيل المثال لا الحصر؛ عندما أقرأ عن قضية الحيازات الزراعية وما وصل إليه الموضوع من تدخل الوزير وتجميد رئيس هيئة الزراعة، فإن أول سؤال يتبادر لذهني هو: لماذا تقع الهيئة العامة للزراعة والثروة السمكية تحت اشراف وزير الإعلام؟ وما هي علاقة الإعلام بالزراعة والأسماك؟ أليس من وضع تلك الهيئة تحت إشراف وزير الاعلام هي الحكومة؟ ثم أعود لأفكر وأتساءل، ما هي المؤهلات أو الخبرات الزراعية التي جلعت الحكومة تعيّن عسكرياً متقاعداً كرئيس لتلك الهيئة التخصصية؟ أما وزارة الاعلام فيكفي أن أبرز انجازاتها كان تحقيق التلفزيون الرسمي لأعلى مشاهدات في شهر رمضان عبر فقرة مدفع الافطار!
كما قلت وأكرر، الشق عود… فالحكومة دأبت على ترسيخ مفاهيم التنفيع والمجاملة السياسية في توزيع المناصب، واستمرت على مدى عقود مضت في حماية الفاسدين والمفسدين حتى وصلنا لمرحلة يدان فيها من يحاول كشف الفساد، والأمثلة كثيرة على ذلك، فها هو المحقق مصعب الفيلكاوي مغترب في كندا بعد ملاحقته قانونياً بسبب محاولته كشف بعض قضايا الفساد. وها نحن على بعد أيام من جلسة حكم التمييز في قضية دخول المجلس، التي لا يمكن فصلها عن الواقع السياسي المأزوم في ذلك الوقت ومطالب الشباب حينها بكشف الفساد ومحاسبة المفسدين، سواء اتفقنا أم اختلفنا مع الاسلوب والطريقة أو حتى الأشخاص… وغيرهم الكثير ممن جمّد أو نقل من وظيفته بسبب محاولته كشف الفساد!
إن انتشار الفساد وتمكنه لا يستقيم بحال مع ما تعرضه الحكومة علينا في برامجها ورؤاها، فعندما تصرح الحكومة أنها بصدد انجاز مشاريع تنموية ضخمة تحول الكويت إلى مركز مالي وتجاري جاذب للاستثمارات، وأنها ستوفر مصادر جديدة لدخل الدولة، فإننا لا نراها سوى أحلام وردية ووعود زائفة بتحقيق المستحيل، لأن رعاية الفساد تفقد كل تلك الوعود للصدقية، فكيف للحكومة العاجزة عن الانتهاء من مشروع جامعة الشدادية أو مستشفى جابر أن تقوم بانجاز تلك المشاريع الضخمة؟
على الحكومة أن تقنعنا بجديتها بمكافحة الفساد قبل كل شيء، وذلك لن يتم ما لم تبدأ بتطهير الجهاز الحكومي من العناصر الفاسدة ومحاسبتها، وتكليف الكفاءات الوطنية ذات السجلات النظيفة لتولي المناصب القيادية، بدلاً من اعتماد تلك المناصب كورقة للتنفيع والترضيات، كذلك يجب وقف عملية افساد الحياة السياسية واستخدام المال السياسي في الانتخابات… باختصار على الحكومة أن تحارب الفساد بالشراسة نفسها التي واجهت بها معارضيها، أما باستمرار الوضع على ما هو عليه، فلا طبنا ولا غدا الشر، وسنستمر بذلك الطريق المظلم الذي دمر العديد من الدول حولنا.
جريدة الراي الكويتية

٣ يوليو ٢٠١٨

أضف تعليق