نشرت إحدى الصحف المحلية قبل أيام تقريراً حول الاقتراحات المقدمة للجنة شؤون الداخلية والدفاع البرلمانية في مجلس الأمة لتعديل الدوائر الانتخابية ونظام التصويت، فكانت هناك عدة اقتراحات منها تقسيم الدوائر إلى عشر دوائر بصوتين أو عشر دوائر بصوت واحد أو الابقاء على الدوائر الخمس ولكن بصوتين للناخب، كذلك كان هناك اقتراح القوائم النسبية مع الابقاء على الدوائر الخمس، وعدة مقترحات أخرى، وقد وضع التقرير ثلاثة سيناريوهات محتملة، فإما أن تأخذ اللجنة بأحد الاقتراحات المقدمة من النواب أو أن تختار المشروع الحكومي أو أن تقدم اقتراحاً يدمج بين اقتراحات النواب ومشروع الحكومة.
وعلى الرغم من أهمية موضوع تعديل النظام الانتخابي أو الدوائر، حيث إن من شأنه تخفيف الاحتقان السياسي القائم، إلا أن تعديل الدوائر وتغيير النظام الانتخابي ليس الحل السحري لمشاكلنا، إذ قد يعتقد البعض أن المشكلة فقط هي بالصوت الواحد المجزوء؛ وهو نظام فاشل كرس العمل الفردي ورسخ الانقسام المجتمعي، لكن الأمر أكبر من مجرد تعديل نظام انتخابي، فقد كانت لنا تجربة سابقة حين طالبنا بتغيير نظام الدوائر الخمس والعشرين وكان لنا ما أردنا، فجاءت الدوائر الخمس بأربعة أصوات في العام 2006، لكنها وإن أدت لتقليص فرص شراء الأصوات ونواب الخدمات إلا أنها كرست التحالفات الطائفية والقبلية، فلم تكن مخرجاتها كما يطمح الشعب الكويتي، لأن أصل المشكلة يكمن في المنظومة السياسية.
نحن في الكويت نعتمد على نظام وسط بين النظام الرئاسي والنظام البرلماني، فأغلب الوزراء يتم تعيينهم من خارج البرلمان ويعتبرون أعضاءً في مجلس الأمة حسب الدستور، بينما في النظم البرلمانية يتم اختيار الوزراء من النواب المنتخبين، كما لا يمكن للبرلمان طرح الثقة بالحكومة كاملة في حال عدم تقديم برنامج، بل يتم استجواب الوزراء فرادى، وهذا عكس ما يحدث في النظم البرلمانية المتكاملة، حيث تأتي الحكومة من رحم البرلمان وتقدم برنامج عملها، ويحق للبرلمان أن يمتنع عن إعطاء الثقة لتلك الحكومة، لذلك فنحن بحاجة لبعض الاصلاحات في تلك المنظومة من أجل التحول للنظام البرلماني الكامل والتطبيق الفعلي للديموقراطية، وتلك الإصلاحات تحتاج لوقت طويل ليتم اقرارها، فالشعب مازال بعيداً عن الوعي السياسي نتيجة تراكم التجارب السيئة على مر السنين، حيث تم ترسيخ مفاهيم الواسطة والمحسوبية والتعصب القبلي والطائفي على حساب المواطنة الدستورية.
أما بالنسبة لاصلاح النظام الانتخابي، ففي ظني أن هناك حزمة من القوانين المترابطة التي يجب اقرارها حتى نصل إلى نظام انتخابي أكثر عدالة… فمن أجل تمثيل عادل للشعب في مجلس الأمة نحن بحاجة لنظام نسبي يبين التركيبة الحقيقية للدوائر دون أن يبخس حق الأقلية، وقانون القوائم النسبية لا يمكن أن ينجح دون وجود قانون ينظم العمل السياسي عبر اشهار الهيئات السياسية، بحيث تشكل الهيئات على أسس وطنية، كذلك يجب انشاء هيئة مستقلة للاشراف على العملية الانتخابية بحيث تضمن نزاهة الانتخابات، كما يجب اقرار قانون يحدد سقف الانفاق في الحملات الانتخابية، وهذا القانون قد يتجاهله البعض إلا أنه من أهم القوانين بعد اشهار الهيئات واقرار القوائم النسبية، ففي الوضع الحالي لا يوجد قانون يحدد سقف انفاق المرشح للانتخابات، مما يبخس حق العديد من الكفاءات الشبابية، حيث يبدو للوهلة الأولى أن الانتخابات خصصت للأثرياء فقط، لذلك يجب أن يضع المشرع هذا القانون في الحسبان في حال أراد اصلاح النظام الانتخابي.
في النهاية، نعم قد يؤدي تغيير قانون الصوت الواحد المجزوء إلى نوع من الانفراج السياسي وتخفيف الاحتقان، لكنه لن يؤدي للاصلاح الذي نريد، فالقضية ليست صوتاً أو صوتين، بل هي قضية منظومة سياسية متخلفة تعتمد على العمل الفردي، وإصلاح هذه المنظومة هو المفتاح لحل كل تلك المشاكل السياسية.
جريدة الراي الكويتية
٥ يونيو ٢٠١٨