لنبحث عن المفسد!

بعد أول افطار في هذا الشهر الفضيل، انتشر في مواقع التواصل الاجتماعي مقطع صوتي لأحد الشخصيات المثيرة للجدل، يهدد ويتوعد فيه أحد النواب الحاليين بفضحه عبر نشر تسجيل صوتي للنائب الحالي، وما أن نُشر ذلك المقطع حتى ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بالتساؤلات والاتهامات والفرضيات وغيرها من ردات الفعل التي عادةً ما تصاحب مثل تلك الأحداث المثيرة.
محتوى ذلك التسجيل الصوتي يفيد بأن الحكومة وعدت النواب بأنها «ستعطيهم»، ولم يكن واضحاً ما هو الشيء الذي ستعطيه الحكومة للنواب؛ ولن أضع الفرضيات، لكنني سأعود بالذاكرة لمقابلة اجرتها احدى القنوات الفضائية قبل عامين مع احد الوزراء السابقين، حيث قال فيها: «كنت أعطي النواب من كيسي 200 – 300 دينار وأكسب ولاءهم»… هذا ما صرح به الوزير السابق على الهواء مباشرة وبكل جرأة.
وبالرغم من ذلك الاعتراف الخطير الا أن ذلك الوزير السابق لم يحاسب حتى يومنا هذا، فقد مر ذلك التصريح مرور الكرام، وربما لم يشكل خبراً مستغرباً أو مستنكراً، فقد وصل الحال بالمجتمع لمرحلة القناعة بأن الفساد قد أصبح من المسلمات، بل ربما لم تعد هناك ثقة بنواب الأمة، فكل نائب تقريباً معرض لأن يكون فاسداً، وهذا ما كرسته الحكومات المتعاقبة خلال نصف القرن الماضي.
والمؤسف أنه خلال السنوات العشر الأخيرة، تراجعت الكويت أكثر من ثلاثين مرتبة في مؤشر مدركات الفساد، وشهدنا خلالها أحد أكبر قضايا الرأي العام وهي قضية الايداعات والتحويلات المليونية والنواب «القبيضة»، إلا أن أحداً لم يحاسب، بل ما زال تراشق الاتهامات مستمراً حتى اليوم؛ فهذا فاسد وذلك مرتش والآخر قبيض، بينما تبتعد أصابع الاتهام عن المفسد والراشي والدفيع… وهم «ساس البلا»، فنحن نرى الفساد يومياً من خلال الشوارع التي تتناثر منها الحصى بعد هطول الأمطار، أو عبر جامعة الشدادية التي وعدتنا الحكومة بافتتاحها مع بداية التسعينات من القرن الماضي وما زالت قيد الانشاء مثلها مثل مستشفى جابر، أو من خلال العمالة الوافدة الهامشية التي يجلبها تجار الإقامات، ودائما ما يكون الاتهام موجهاً للمقاول الفاسد أو التاجر الفاسد أو الموظف أو حتى النائب الفاسد… لكن السؤال الأهم؛ كيف تمكن كل هؤلاء الفاسدين من الافلات من العقوبة؟ ومن المسؤول عن فسادهم؟ ولماذا لا يتم اتهام المفسد كذلك… فلا فاسد من دون وجود مفسد.
إن الفساد يعالج من الأعلى إلى الأسفل، كدرجات السلّم يتم تنظيفها من الأعلى، لذلك يجب على الحكومة أن تبدأ بنفسها، فهي السلطة التنفيذية وحزب الأغلبية في البرلمان وصاحبة اليد العليا، فإن كان هناك نواب فاسدون، فبالتأكيد هناك وزراء مفسدون؛ وهذا بشهادة الوزير السابق، فقد سئمنا من التراشق الاعلامي بين النواب، واتهامهم بعضهم البعض بالفساد من دون أي فائدة أو نتيجة تعود على البلد بالنفع.
فإن كان نوابنا صادقين بمحاربتهم للفساد، فيجب أولاً أن توجه أصابع الاتهام للمفسد، سواء كان وزيراً أو متنفذاً، كما يجب على الحكومة أن تعي بأن شراء الولاءات ودعم الفساد لن يؤدي إلا إلى الفشل الحتمي حتى وإن كسبت من خلاله بعض المعارك السياسية، فنحن بالنهاية في مركب واحد إن غرق غرقنا جميعاً.
على الحكومة – إن كانت كما تدعي تسعى للإصلاح – أن تستوعب ماذا يعني الإصلاح وأهمية مكافحة الفساد فعلاً لا قولاً وادعاءً، والعمل بجدية على معالجة المشاكل الحالية، من خلال تكليف أصحاب الكفاءات من دون النظر لفكرة المحاصصة، فنحن بحاجة ماسة لتنويع مصادر الدخل وتطبيق القانون على الجميع ورد الاعتبار لمشروع الدولة الحديثة، فإن حدث ذلك فلن تكون الحكومة بحاجة لشراء الولاءات، أما نوابنا الأفاضل، فقد اختاركم الشعب للذود عن حرياته ومصالحه وأمواله، وليس للدفاع عن الحكومة ووزرائها، فإن كان بينكم فاسد فعليكم أن تجدوا المفسد وتحاسبوه أيضاً والا فإنكم شركاء بالفساد أيضاً.

 

جريدة الراي الكويتية

٢٢ مايو ٢٠١٨

أضف تعليق