انتشرت في الأيام القليلة الماضية في شوارع الكويت، صور بعض الفنانين واللاعبين ومشاهير وسائل التواصل الاجتماعي مصحوبة بكلمة «جايينكم»… وعلى الرغم من استياء البعض من هذه الاعلانات حيث يرى هؤلاء أن هناك مَنْ هم أحق بنشر صورهم في الكويت، إلا أنني أعتقد أن الأمر لا يستحق كل هذا التذمر حيث ان تلك الصور لا تعدو كونها اعلانات مدفوعة الأجر، الهدف منها التسويق التجاري فقط.
الحقيقة أن ما شدني ليس أعلانات «جايينكم»… بل تلك الحملة التي قادها بعض الشخصيات المحسوبة على تيار الاسلام السياسي، من نشطاء سياسيين ونواب وغيره ضد ما يسمى بالـ «فاشينيستا»… ولمن لا يعرف معناها فهي تعني الشخص المهتم بالموضة، فعلى الرغم من انتشار ظاهرة «الفاشينيستا» في الكويت منذ أكثر من أربعة أعوام، إلا أن هؤلاء النشطاء المناهضين لهذه الظاهرة لم يظهروا هذه الشراسة في الهجوم عليها إلا أخيراً، فقد شن البعض حملة شرسة وصف فيها «الفاشينيستات» بالانحلال والفسوق وغيره من الأوصاف، بل تمادى أحدهم ليصف أهالي هؤلاء بالدياثة، بل وحرّم الجنة عليهم.
كما انبرى مَنْ فرضوا أنفسهم حراساً للفضيلة والوصاة على المجتمع من نواب الاسلام السياسي لتبني هذه القضية الملحة، وتهديد الحكومة من ويلات السكوت على هذه الظاهرة الخطيرة التي ستدمر البلد، فالمطلوب هو ردعهم ومنعهم ووضع الضوابط التي تناسب هؤلاء النواب وتوجهاتهم، فوفق نظرهم أن خطر الفاشينيستا على الكويت أكبر من خطر الفساد وسوء الادارة، وبالتأكيد أخطر بكثير من العجز في ميزانية الدولة والهجوم على جيب المواطن!
لست بصدد الدفاع عن الفاشينيستات، فأنا أعتقد أنهم يرسخون ثقافة المجتمع الاستهلاكي، وربما يكون لهم أثر سلبي على المجتمع، خصوصاً الصغار بالسن، فالترويج لنمط العيش المترف بسبب مردود الاعلانات التجارية، قد يرسخ قناعة خطيرة لدى الشباب؛ مفادها بأن الشهرة والترويج للمنتجات أهم من العلم والدراسة، فما فائدة الشهادة الجامعية في وقت أستطيع فيه كسب آلاف الدنانير من خلال فيديو لا تزيد مدته على دقيقة، بينما ينتظر أكثر من 17 ألف مواطن دورهم في ديوان الخدمة المدنية؟
الشاهد في الأمر، ان ما أثار استغرابي هو الهجوم الكبير من نواب الاسلام السياسي ومناصريهم من النشطاء على هؤلاء الفاشينيستات في هذا الوقت، واستخدام لغة الطعن بالاخلاق، والتخويف من الانحلال وغيره من الأساليب التي كانوا يستخدمونها سابقاً، فما زالت كلمات خطيب المسجد القريب من منزلنا ترن في أذني، عندما كان يحذر من انتشار القنوات الفضائية وأطباق الستالايت فوق المنازل، التي وصفها بـ «قرون الشيطان»!
باعتقادي، الموضوع ليس خوفاً على أخلاق المجتمع من الانحلال، فكما ذكرت؛ هذه الظاهرة ليست جديدة بل هي منتشرة منذ سنوات، لكن عجْز هؤلاء النواب وناشطي الاسلام السياسي عن السيطرة على هذا السوق الكبير هو ما أثار حفيظتهم وأرعبهم، فسوق الفاشينيستا صعب عليهم وقد تمكن من جذب قطاع ضخم جداً من المتابعين، كما أن هناك بعض مشاهير التواصل الاجتماعي ممن نجح بجمع التبرعات ودفعها لاطلاق سراح الغارمين من المساجين، ليسحب البساط من تحت اقدام بعض اللجان الخيرية، إضافة إلى أن الناس ملّت من الفشل المتكرر لهؤلاء الساسة وابتعادهم عن القضايا والهموم الحقيقية للمجتمع، بالاضافة لتسلطهم على الحريات، فالناس تفضل أن تشاهد طبخات الفنان الشعبي سليمان القصار، أو يوميات ونكت «عبودكا»، أو حتى طريقة وضع المكياج من بعض خبيرات التجميل، على مشاهدة شخص يدعوهم للزهد وترك ملذات الدنيا وهو يقود سيارته الفارهة أو أثناء قضاء إجازته في ربوع سويسرا.
في الختام، على الرغم من تحفظي على الدور السلبي الذي قد يمارسه بعض مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي من تسطيح للوعي وترسيخ للثقافة الاستهلاكية؛ بل انني ألوم الحكومة التي استخدمتهم وساهمت بترسيخ ذلك الدور السلبي، إلا أنني لا أقبل التعدي على سمعتهم وسمعة أهاليهم، وبالتأكيد أرفض التعدي على حريتهم الشخصية…
أما بالنسبة لعناصر قوى الاسلام السياسي، فهم يمارسون ما يجيدون من ترهيب وتخويف من مخاطر لتلك الوسائل، والسبب عدم قدرتهم على تصدرها، كما فعلوا سابقاً عندما حرّموا التصوير والتلفزيون وغيره فاصبحوا يتصدرون القنوات ويتسابقون لالتقاط «السيلفي»، فلو استطاعوا دخول هذا المجال لوجدنا صورهم في جميع شوارع الكويت تحت عنوان «جايينكم».
جريدة الراي الكويتية
١٠ أكتوبر ٢٠١٨