نحن الحكومة… فقط!

من أنتم؟ من تمثلون؟ وما هو مشروعكم؟ أسئلة بسيطة لو وجهتها لأي حكومة في أي بلد ديموقراطي، لجاءت الاجابة واضحة ومباشرة من دون تردد: نحن حكومة الدولة الفلانية… ممثلة بالحزب الفلاني الحائز على أغلبية مقاعد البرلمان، حيث نمثل مصالح الطبقة الفلانية، ومشروعنا هو كذا وكذا وكذا… بينما عندنا في الكويت وعموم دول المنطقة تكون الإجابة: نحن الحكومة… فقط!
الحكومة وفق دستور دولة الكويت هي السلطة التنفيذية، أي هي من يقوم برسم السياسات العامة واتخاذ القرارات وتطبيقها وإدارة مؤسسات الدولة، وبالأساس هي التي تتولى تنفيذ القوانين التي يقرها مجلس الأمة كسلطة تشريعية، وذلك تحت رقابة المجلس نفسه، فالعملية السياسية مبنية ببساطة على التعاون ما بين هاتين السلطتين ضمن هذا الإطار من دون أن تتدخل سلطة في عمل الأخرى؛ حيث ان الأصل هو فصل السلطات مع تعاونها، كما جاء في نص المادة 50 من الدستور. ولكن الواقع القائم يقول إنه يحق للحكومة ما لا يحق لغيرها، فرغم وضوح فكرة فصل السلطات في المادة 50، إلا أن أعضاء الحكومة من غير النواب المنتخبين يعدون جزءاً من السلطة التشريعية، فهم يشاركون في التصويت لاختيار رئيس السلطة التشريعية، كما يحق لهم تقديم القوانين والتشريعات للمجلس، بل يمكنهم تعطيل جلسات مجلس الأمة بعدم حضورهم. وفي المقابل لا يحق للشعب اختيار وزرائه، ناهيك عن حقه في اختيار رئيس الوزراء، ولا يحق لممثلي الشعب أن يضعوا برنامج عمل الحكومة الذي «يفترض» أنه يهدف لتنفيذ تطلعات الشعب، وإنما لهم فقط حق إبداء الملاحظات حولها، وللحكومة أن تأخذ بهذه الملاحظات أو تتجاهلها، أما محاسبة هذه الحكومة فحدّث ولا حرج!
الأدهى والأمر أن البعض يعتقد أن الحكومة هي الدولة، وأن انتقاد الحكومة يعني تجريح كيان الدولة، وأن الاعتراض عليها أو محاولة محاسبتها أو سحب الثقة منها يعني خيانة الوطن، ومحاولة مرفوضة للانقلاب على الحكم. والحقيقة أن هذا الطرح البائس هو ما دمر العملية السياسية وبات سبباً لتكريس واقع سيئ وهو أن الحكومة لا تمس، فما أن نتحدث عن فشل تلك الحكومات، وضرورة تطوير العملية الديموقراطية، وأهمية الانتقال إلى النظام البرلماني الكامل حتي يأتي الرد المعتاد: «يعني تبون المعارضة يمسكون الحكومة؟ والله باچر يعطون ربعهم المناصب وتترحمون على هالأيام»!
لا نختلف أن المعارضة الحالية تحتوي على بعض الشخصيات المعادية للديموقراطية، التي لا تؤمن بالدستور والحريات العامة، ولا نختلف بأن فيها المتسلق والمتكسب والانتهازي، ولكن لنقف قليلاً ونفكر… من الذي حارب التطور الديموقراطي وزوّر نتائج الانتخابات عام 1967؟ ومن الذي فتح أبوابه للقوى الرجعية وسلمها جميع مفاصل الدولة لمواجهة القوى المدنية؟ ومن الذي كرس آلية الواسطة ومفهوم نائب الخدمات؟ ومن الذي رسخ مبدأ المحاصصة فكانت نتيجته الانتخابات الفرعية القبلية؟ أليس الأولى محاسبة المسؤول؟
كل تلك الممارسات خلقت شخصيات برلمانية انتخابية، أفراد بلا هوية فكرية ولا مشروع وطنياً ولا دور سياسياً حقيقياً، همهم الوحيد هو الفوز في الانتخابات بأي طريقة كانت، وفي المقابل تمت محاربة القوى السياسية الديموقراطية المدنية التي عملت على نشر الوعي بين الناس وحملت مشروع تطوير العملية الديموقراطية، لذلك ليس من الإنصاف أن ننظر إلى النتيجة من دون محاسبة المتسبب الرئيسي فيها.
الحكومات في الوضع الديموقراطي الطبيعي تأتي من رحم البرلمان، فيكون تشكليها معبراً عن رغبة غالبية الشعب وقرار هذه الاغلبية باختيار «المشروع» الذي يمثل مصالحها… الحكومات تأتي لتنفذ مطالب الشعوب وتطلعاتها التي ترجمت في الانتخابات، بينما عندنا وحتى اليوم لا نستطيع أن نحدد الفئة التي تمثلها حكومتنا، فهل هي حقاً تمثل غالبية الشعب؟
الحكومة ليست هي كيان الدولة، وبالتأكيد فإنها ليست من المقدسات التي لا تمس، بل إن الواجب الوطني يحتم علينا أن ننتقدها ونحاسبها ونقوّمها عندما نرى انها فشلت في إدارة الدولة أو أهدرت المال العام أو رعت الفساد «لا سمح الله»، فحب الوطن ليس أغنية أو قصيدة فقط… وإنما يحتم عليك حب الوطن أن تكون هناك إدارة ناجحة لشؤون الدولة وأن تتم المحافظة على ثروات الوطن ومقدراته من النهب الممنهج.

 

٦ فبراير ٢٠١٨

جريدة الراي الكويتية

أضف تعليق