قف… نواب يستجوبون!

من المفترض أن تعقد اليوم جلسة استجواب وزيرة الشؤون الاجتماعية، حيث يتكون هذا الاستجواب من خمسة محاور، وقد بدأت «كالعادة» حرب التصريحات منذ الاعلان عن تقديم ذلك الاستجواب، فما بين معارض للاستجواب يرى بأنه منسوخ من استجواب سابق، ومؤيد للاستجواب يرى بأنه مستحق ويجب أن يصل لطرح الثقة في الوزيرة.
لست هنا بصدد تحليل استجواب الصبيح أو إبداء رأيي حوله كمؤيد أو معارض، فالاستجواب بالنسبة لي هو حق أصيل وأداة دستورية من حق أي نائب أن يستخدمها متى ما أرتأى ذلك. لذا – ومن حيث المبدأ – فإن الأصل هو تأييد مبدأ الاستجواب وصعود الوزير للمنصة، ثم الاستماع لردود الوزير عليه وبعدها يأتي الحكم بتأييد طرح الثقة أو العكس. ولكن ما يحدث في الكويت بسبب الفوضى والانحراف في المنظومة السياسية، فقد أصبح الاستجواب في بعض الأحيان أداة للتأزيم والتكسب الانتخابي، بل والانتقام الشخصي في أحيان أخرى، وهذا ما كرسته الحكومة على مدى العقود الخمسة الماضية من خلال تعاملها مع الاستجوابات، حيث تبدأ حملة الدفاع عن الوزير المستجوَب بالضغط على النواب من خلال تعطيل مصالح الناس؛ فلا معاملة تمر ولا ترقية تقر ولا تعييناً يتم إلا عبر النائب الذي يقسم بالولاء للحكومة ويتعهد بعدم السماح لأي كان بالمساس بالوزير المستجوَب.
لقد كرست الحكومة عبر تلك الممارسات فكرة أن الاستجواب يعني بالضرورة التأزيم وتعطيل مصالح الناس، كما تم الترويج لفكرة المقارنة بين ما يوصف بكثرة الانجازات في السابق بسبب قلة الاستجوابات، وانعدام الانجاز في السنوات الاخيرة لكثرتها. ولا أعلم حقيقة من صاحب هذه النظرية الجهنمية؛ ولكنه بالتأكيد لا يعلم بأن خطة التنمية الوحيدة التي انجزت في تاريخ الكويت كانت تلك التي اقرت في عام 1952، حسب ما ذكر استاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت د. غانم النجار، كما أن طبيعة العملية السياسية تفرض أن يكون التركيز في بداية العمل بالدستور على تشريع القوانين، فالدولة الحديثة تحتاج لتشريع قوانين جديدة، أما بعد مرور أكثر من نصف قرن على بداية العمل بالدستور وتشريع العديد من القوانين، فإنه من الطبيعي أن يتجه النائب لممارسة دوره الرقابي أكثر من تركيزه على الدور التشريعي، وهذا سبب رئيسي يفسر كثرة الاستجوابات في السنوات الاخيرة.
كما أن هناك فكرة الاستجواب الناجح والاستجواب الفاشل، ومن يروج لها يعتمد بذلك على نجاح النواب بجمع العدد المطلوب لطرح الثقة بالوزير، وهذه الفكرة الخاطئة ساهمت كذلك في تشويه صورة الاستجواب، فالواقع هو أن هناك استجواباً مستحقاً وآخر غير مستحق، أما ما ستؤول له نتيجة هذا الاستجواب أو ذاك فيعتمد على عوامل عدة، منها وجود كتلة برلمانية مؤثرة ومتضامنة، ووجود رأي عام مؤيد للاستجواب من عدمه، كذلك يجب ألا ننسى بأن العمل السياسي في الكويت فردي ويخضع للمصالح الضيقة، لذلك قد تكون مصالح بعض الاطراف في المنظومة السياسية هي العامل الاساسي في نجاح الاستجواب أو فشله.
في النهاية، يجب احترام الحق الدستوري للنائب بالاستجواب، ويجب التعامل مع هذه الاداة ضمن حدودها كأداة رقابية وعدم تحميلها ما لا تحتمل. فعلى سبيل المثال؛ لا يصح التعامل مع استجواب الصبيح من منظور عنصري أو أسري أو مناطقي، فاستجوابها في نهاية الأمر لا يتضمن في أي محور من محاوره مثل هذا الطرح…
المهم أن نعي أن المشكلة الأساسية التي تسببت في تشويه هذه الاداة الدستورية تتمثل في خلل المنظومة السياسية التي رسخت العمل الفردي فجعلت من الاستجواب أداة مضمونة للتكسب الانتخابي ومجالات لشخصنة المساءلة السياسية، بدلاً من ترسيخها كأداة رقابية لتقويم عمل الحكومة.

جريدة الراي الكويتية

٢٣ يناير ٢٠١٨

أضف تعليق