إرهاب من نوع آخر

مصطلح الإرهاب مشتق من كلمة «الرهبة» وتعني الخوف، ويحدث الإرهاب عبر أساليب مختلفة، أبرزها العنف والقتل والتفجير، كما يحدث حولنا في البلدان العربية أو ما تقوم به الجماعات المتطرفة من عمليات إرهابية في الدول الغربية. ونحن في الكويت رغم معاناتنا من بعض تلك الأعمال الارهابية، كتفجيرات المقاهي الشعبية في ثمانينات القرن الماضي، وتفجير مسجد الامام الصادق قبل عامين، إلا أننا ننعم ولله الحمد بنسبة كبيرة من الأمن والاستقرار.

لكننا نعاني منذ عقود من إرهاب آخر. ليس الارهاب عبر التفجيرات أو القتل، بل أخطر وأشد ضرراً على المجتمع؛ إنه الارهاب الفكري الذي تمارسه بعض الجماعات السياسية، وأهمها جماعات الدين السياسي.

فمنذ الصغر تمارس كوادر هذه الجماعات إرهابها الفكري ضد من يخالفها الفكر في الجامعة، فبينما يتمايلون على انغام انشودة «النصر توالى والصرح تعالى»، نراهم يرددون أبياتها بكل طرب محرضين ضد القوى الوطنية بقولهم: «وطنيون يقولون وكم جرعوا الأوطان من سمومهم… فانبذونهم إنهم أضمروا الشر لكم»، داعين الطلبة لنبذ الوطنيين.

ثم يكبر هؤلاء فيدخلون المعترك السياسي ليكملوا مسيرة من سبقهم، فهم وإن اتشحوا بوشاح المعارضة في السنوات القليلة الماضية إلا أن التاريخ لا يمكن أن يمحى بيوم وليلة، فهم أول من شارك في حكومة غير دستورية عام 1976 عندما تم توزير رئيس جمعية الإصلاح بعد الانقلاب على الدستور، فكانوا خير سلاح للسلطة لترهيب المجتمع من القوى الوطنية المعارضة على مر العقود السابقة.

ولا يخلو التاريخ من الامثلة على ذلك الإرهاب الفكري؛ فلن ننسى ما حدث في 1997 من تصعيد غير مسبوق بسبب وصايتهم على عقول الناس ورفضهم لبعض الكتب في معرض الكتاب حينذاك ما دفعهم لاستجواب وزير الاعلام الذي انتهى باستقالة الحكومة، وما زلنا نعاني من تبعاته حيث ان بعض الكتب الممنوعة في الكويت مرخصة في السعودية والبحرين وغيرها من الدول. كذلك جرجرتهم لبعض الأدباء -ممن يخالفونهم فكرياً- في أروقة المحاكم، كالأديبة ليلى العثمان والدكتورة عالية شعيب، ولا ننسى تصريح المرحوم عبدالله المطوع رئيس جمعية الاصلاح السابق «ان عدداً من جمعيات النفع العام في البلاد اتفقت على توجه جديد يقضي برصد كل ما يكتب من طعن في ثوابت الدين والاستهزاء بأحكام الشريعة الاسلامية للمباشرة في تقديمها الى النيابة العامة على شكل قضايا ضد كاتبيها»، منصباً تلك الجمعيات كسلطة فوق السلطة، ما دفع العديد من الكتاب حينها للامتناع عن الكتابة احتجاجاً على هذا التصريح، وأجبر المرحوم المطوع على التراجع عن ذلك التصريح.

ولم تسلم الفعاليات الثقافية والفنية من ذلك الإرهاب، وما حدث لأبطال مسرحية «هذا سيفوه»، خير مثال، ولكن لم يكفهم هذا فأنشأوا لجنة الظواهر السلبية أو لجنة الوصاية والتزمت، كما أحب أن أسميها، ليمارسوا إرهابهم الفكري ووصايتهم عبر مجلس الأمة، فتارة يمنع المفكر الفلاني من دخول الكويت، وتارة يمنع ذلك الأديب أو ذلك المطرب، ما جعل الكويت تتراجع شيئاً فشيئاً على المستويين الثقافي والفني.

وما زال الإرهاب الفكري يمارس حتى اليوم، وما يحدث من مماطلة في اشهار الجمعية الليبرالية الكويتية خير مثال، فها هو أحد النواب يصرح بأن السماح بإشهار الجمعية سيفتح الباب لاشهار جمعيات أخرى، كالجمعية السلفية والجمعية الشيوعية والجمعية الشيعية؛ مستخدماً الخوف من الطائفية ومروجاً للبروباغندا الأميركية التي دعمت «طالبان» و«القاعدة» ضد الاتحاد السوفياتي السابق كونهم كفاراً!

يبقى الإرهاب مرفوضاً بكل أشكاله، ولكن الإرهاب الفكري هو الأخطر كونه يقمع التنوع الفكري ويرسخ وصاية البعض على المجتمع، ويصعب التحكم به أو منعه، ولا يمكن أن يحارب هذا النوع من الارهاب بالسلاح أو بالقمع، بل بالفكر ونشر الوعي وثقافة قبول الآخر. وعلى سبيل المثال، أنا شخصياً قد أختلف مع بعض مبادئ الليبرالية، خصوصاً في الجانب الاقتصادي، إلا أنني مؤمن بأهمية التنوع الفكري وبالحق الدستوري لمؤسسيها بإشهار جمعيتهم، وهذا لا يمنع أن أنتقد تلك التوجهات وأطرح بديلاً لها بدلاً من قمعهم ومنعهم من التعبير عن أفكارهم، وقد أختلف مع توجهات بعض المفكرين أو الأدباء ولكن لا يمكن أن أفرض وصايتي على الناس بمنعهم من دخول الكويت وحرمانهم من تلك الندوات أو الجلسات الثقافية…

في النهاية لنعمل جميعاً على رفض الإرهاب بكل أشكاله، خصوصا الفكري، ولنقبل بالتنوع ولنترك الخيار للناس لرؤية ما يناسبهم، ولنتذكر دائماً أن تلك الجماعات ليست إلا أدوات بيد السلطات، وخير مثال من تتبدل مواقفهم حسب المصلحة.

أضف تعليق