لست من المتعلقين جداً بفكرة عودة «كويت الماضي»، ذلك أنه رغم التطور النسبي في تلك الحقبة والنهضة التي عاشتها الكويت في ذلك الزمن، إلا أن التعلق بالماضي كثيراً سيعيقنا عن التطور ويمنعنا من التطلع نحو المستقبل؛ وهذا ما يبقينا على ما نحن عليه، فلا نحن عدنا للماضي ولا نحن تطورنا وواكبنا العصر.
وفي اعتقادي أن من المهم جداً أن نستوعب خطورة التعلق العاطفي بالماضي وعدم القبول بالتغيير ومقاومة التطور؛ فالماضي مهم ولكن للتعلم من الدروس والعبر التي يقدمها لنا وليس لغير ذلك.
الحقيقة أن الحنين للماضي والأماني بعودة كويت الماضي، ما كانت الا بسبب التراجع الكبير الذي شهدته الكويت في الفترة الماضية وعلى الأصعدة كافة، إلا أن هذا الواقع لا يعني أن نتشاءم من المستقبل؛ بل يجب أن يكون هذا الواقع سبباً رئيسياً للتفاؤل… فأنا مؤمن تماماً بأن الكون في حركة مستمرة وتغير دائم، كما أنني مؤمن بمقولة ان الأوضاع السيئة تصنع أشخاصاً أقوياء يسعون لتغيير ذلك الواقع فيصنعون مستقبلاً أفضل. لذلك فإن كل ما علينا فعله هو تشخيص أصل المشكلة والعمل على حلها.
بسبب طبيعة عملي كطبيب، فقد اعتدت أن أتعامل مع أي مشكلة على أنها مرض، له أسباب رئيسية وله أعراض. ومعالجة الأعراض لا تعني علاج المرض والتخلص منه، فارتفاع الحرارة قد يُعالج بمخفضات الحرارة وقد يزول الألم مع المسكنات، ولكن من دون علاج الميكروب المسبب لهذه الأعراض التي ستعود بعد زوال تأثير الدواء. كذلك الفساد وسوء الإدارة وتردي الخدمات والعجز المالي، هي أعراض لمشاكل رئيسية عدة، تبدأ بعدم وضوح المنظومة السياسية والخلط بين مفاهيم الدولة العشائرية والدولة الدستورية الحديثة، وتنتهي بعدم وجود اقتصاد منتج والاعتماد بشكل شبه كلّي على بيع النفط كمصدر دخل.
حل هذه المشاكل الرئيسية ليس مستحيلاً، ولكنه يحتاج إلى نيّة للإصلاح وإرادة جادة للتغيير وإلى فترة من الزمن… فإصلاح المنظومة السياسية لا يأتي بين ليلة وضحاها، ولكن ما يدعو للتفاؤل هو تشكل وعي لا بأس به عند الشباب حول أهمية الإصلاح السياسي واعتماد الديموقراطية كمبدأ؛ ورفض الممارسات السيئة لبرلمانيين حاليين وسابقين؛ والقناعة المتشكلة بأهمية تقنين العمل السياسي بإشهار الهيئات السياسية أو الأحزاب؛ التي هي موجودة على أرض الواقع ولكن من دون قانون ينظمها ويمنع تشكيلها على أسس طائفية أو عنصرية…
كذلك الاقتصاد المنتج يحتاج إلى تأسيس سليم وتفكير؛ كما يقال «خارج الصندوق»، فالحل ليس ببيع قطاعات الدولة للتجار ليستثمروا بها، ولكن هناك حلولاً أخرى؛ فلا مانع من الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص في بعض المجالات ومن بينها العمل على تطوير الخدمات. ولكن في الوقت نفسه علينا التفكير جدياً بالاستثمار في مجال حيوي لا يتم الالتفات إليه، مع كل أسف، وهو مجال البحوث العلمية والتكنولوجيا واعتمادها كمصدر دخل أساسي ورئيسي. فالعالم اليوم يتجه نحو مصادر الطاقة النظيفة ولن يدوم الاعتماد على النفط طويلاً، كما أننا في بلد صغير ذي تعداد بسيط لا يسمح بالاستثمار في الصناعات الثقيلة التي تحتاج للعديد من الأيدي العاملة؛ لذلك فالأنسب هو الاستثمار بالعلم في كل مجالاته، فما المانع من ان تكون الكويت مركزاً عالمياً للبحث العلمي أو العلوم التكنولوجية أو الرعاية الصحية؟
في الختام، علينا ألا نتعلق بالماضي فالماضي لن يعود… بل علينا أن نتطلع دائماً للمستقبل. وعلينا أن نستمر بالعمل ونثق بأن التغيير قادم وأن دوام الحال من المحال، ولنضع ثقتنا بالشباب ونتفاءل بالقادم، فالقادم أجمل.