لم أشعر بمثل هذا الحزن الشديد على رحيل شخصية عامة من قبل. فما أن تأكد خبر وفاة عملاق الفن الفنان الكبير عبدالحسين عبدالرضا – رحمه الله – حتى نزل ذلك الحزن الشديد والضيق القاتل والثقل الكبير الذي جثم على الصدر، وكأن المتوفى شخص قريب جداً.
هذا الشعور الذي تشارك به كل الكويتيين، بل تعدى ذلك بكثير ليصل للعالم العربي بأسره… فمن منا لم تدمع عيناه لرحيل هذا الهرم الكبير؟ من منا لم يشعر وكأنه فَقَدَ شخصاً من أسرته؟ ليست مبالغة، ولكن هذا ما شعر به الكويتيون جميعاً بعد رحيل «بوعدنان».
عبدالحسين عبدالرضا ليس مجرد فنان، هو ظاهرة فنية ثقافية اجتماعية بكل ما تحمل هذه الكلمات من معانٍ… هو الرمز الذي يذكرنا بالكويت الجميلة، كويت النهضة والتطور، كويت الفن والثقافة والرياضة… عبدالحسين الأسطورة وعلى مدى أكثر من نصف القرن من الزمن جسّد معنى جملة «شر البلية ما يضحك» من خلال أعماله الخالدة التي انتقد فيها واقعنا السياسي والاقتصادي والاجتماعي بعبقرية غير مسبوقة، فهو كما يقول عاشق للابتسامة والضحك، كاره للحزن، فجعل من تلك المشاكل والهموم والسلبيات مادة كوميدية دسمة تخفف علينا سوء ذلك الواقع وتنبهنا إلى تناقضاته… لذلك نبكيه اليوم بحرقة لأننا نعلم بأنه لن يكون حاضراً مرة أخرى ليسخر من واقعنا بالكوميديا، نبكي لأننا نصحو اليوم على تراجيديا وكوميديا سوداء فقط، فها نحن ما زلنا نسير على «درب الزلق» الذي حذرنا منه، وما زال الفساد الذي خلق «فرسان المناخ» يعشش في مؤسسات الدولة كافة، وما زلنا نعتبر أنفسنا «بني صامت» أمام ما يحدث من سحق متعمد للطبقة الوسطى.
وراء كل عمل من أعمال العملاق بوعدنان كانت هناك حكمة ودرس يقدمه لنا قبل إسدال الستار، وها هو اليوم يودعنا بدرسٍ مهمٍ قد يكون الأكبر في مسيرته؛ درس عبدالحسين الأخير هو أن الابتسامة والكلمة الصادقة هما ما يكسبانك حب الناس، ذلك الحب الذي لا تستطيع أموال الدنيا كلها أن تشتريه. درس بوعدنان الأخير أن مشاعر الحب أقوى بكثير من بغض الكراهية ونعرات التعصب الطائفي، فقد أجمع الناس على حبه باختلاف مشاربهم وأبكى الناس جميعاً على فراقه.
رحمك الله يا أبا عدنان، وهنيئاً لك كل هذا الحب، وعظّم الله أجورنا بخسارة إنسان بوزن وطن.