الاختلاف بالرأي والتنوع الفكري من السمات الطبيعية لأي مجتمع، بل يعتبر التنوع الفكري والثقافي ظاهرة صحية تظهر مدى تطور المجتمع أو الدولة. وقد أثبت التاريخ فشل الدول الديكتاتورية الشمولية التي تمنع التنوع الفكري وتحارب حرية التعبير، لذلك فقد حرص الآباء المؤسسون أثناء صياغتهم لدستور 62 على أهمية حرية التعبير، فجاءت المادة 36 لتؤكد على أن حرية الرأي والبحث العلمي مكفولة، ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غيرهما.
وبالرغم من كون حرية الرأي حقاً أصيلاً للإنسان تكفله الدساتير والمواثيق الدولية، إلا أن هذا الحق تترتب عليه مسؤولية كبيرة؛ فحرية التعبير لا تعني التجريح والتخوين والتعميم وبالتأكيد لا تعني فرض هذا الرأي بالقوة. في السنوات الأخيرة ومع تفاقم الأزمة السياسية الممتدة من العام 2011 التي لم تقتصر على النزاع بين البرلمان والحكومة، بحيث امتدت إلى الشارع ودخلت إلى بيوتنا، بات من الواضح تفاقم ظاهرة عدم تقبل الرأي الآخر. ولم يقتصر ذلك على الحكومة التي لاحقت من يخالفها سياسياً بكل الوسائل والسبل، بل امتد ذلك للمجتمع ليفرق بين أبناء الوطن الواحد ليصبح التخوين والتجريح سمة النقاش بين المختلفين في الآراء.
باعتقادي، أن الأزمة السياسية كانت سبباً رئيسياً في تفاقم هذه الظاهرة، وفي ظل الوضع الإقليمي المضطرب حولنا ما بين حروب طاحنة وتحديات مواجهة الإرهاب؛ من المهم جداً ترتيب الأولويات، فتقوية جبهتنا الداخلية والحفاظ على لحمة مجتمعنا وفتح صفحة جديدة ننطلق منها لمواجهة التحديات الخارجية والداخلية، تعد أولى الأولويات.
نحن اليوم نلاحظ ملامح الانفراج السياسي وانتهاء الازمة بدأت تتضح شيئاً فشيئاً رغم حركتها البطيئة ووجود بعض المناوشات هنا وهناك، إلا أن الخطوة الإيجابية الأولى كانت بتشكيل لجنة إعادة الجناسي ومناقشة قوانين تحصين المواطنة، وقد أتت الخطوة الثانية يوم الأحد الماضي بعد موافقة اللجنة التشريعية على اقتراحات قوانين العفو الشامل التي تستند لنص المادة 75 من الدستور بحيث يتم العفو عن المحكومين والملاحقين قضائيا في القضايا السياسية المرتبطة بأزمة 2011.
هذه الاقتراحات فيما لو أقرت فإنها ستنهي معاناة أكثر من 700 شخص من المحكومين والملاحقين في قضايا الرأي وستوفر أرضا خصبة للتعاون لطي صفحة الأزمة السياسية، وبالرغم من رفض الحكومة المبدئي لتلك الاقتراحات، إلا أن الرأي العام الضاغط باتجاه ضرورة الانفراج السياسي وخطورة الوضع الإقليمي سيلعبان دوراً مهما في تقبل الحكومة للمقترحات.
نحن نعلم اليوم بأن هناك اختلافاً كبيراً في وجهات النظر حول وجود الأزمة السياسية وطريقة حلها، وعلينا أن نتقبل هذا الاختلاف ونسعى لترسيخ فكرة تقبل وجود الرأي الآخر، فكلنا في نهاية المطاف نعيش على هذه الأرض ولا نعرف وطناً غيرها، ولكن لكل منا نظرته الخاصة لما هو أفضل لوطنه، فلا نخوّن ولا نجرّح من يخالفنا الرأي وليكن لنا دور فاعل في تقوية جبهتنا الداخلية لمواجهة الأخطار الخارجية، فالأمور تسير ببطء نحو الانفراج السياسي… لنسرعها.